509

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

تلاقى فيها مع المذهب الحنبلي، فعن اختيار مستقل، لا عن اتباع تقليدي، وإن المذهب الحنبلي قد استفاد من هذه الدراسة، فأضيفت إلى النتائج التي وصل إليها المجتهدون فيه، سواء أكانوا منتسبين أم كانوا مخرجين، وبذلك أضاف ثروة فقهية إلى ذلك المذهب الجليل.

٥٠٩- وبهذا ننتهي إلى أن ابن تيمية كان فقيهاً مجتهداً منتسباً؛ لأنه كان متحداً في المناهج وهي الأصول التي اختارها طرقاً للاستنباط مع أصول المذهب الحنبلي، وكان الاتحاد في الأصول بدراسة حرة غير مقلدة فأدت به إلى ذات الأصول التي اختارها علماء المذهب الحنبلي وحرروها.

وإذا كان قد اختار في بعض فتاويه من غير المذهب الحنبلي، فإن ذلك لا يخرجه عن أنه مجتهد منتسب للحنابلة، لأنه وافق الحنابلة في الأصول وأكثر الفروع، كما لم يخرجه عن نطاق الحنبلية ما خالف فيه المذاهب الأربعة عن بينة، وهي مسائل الطلاق بلفظ الثلاث، وكونها لا تقع إلا واحدة، والطلاق البدعي كالطلاق في الحيض وكونه لا يقع، وكون الطلاق لا يقع منه إلا واحدة، ولا تقع الثانية إلا بعد الرجعة أو العقد، إن كان قد تركها بعد الأولى حتى انقضت عدتها، ثم عقد عليها بعد ذلك، وكذلك قوله إن الحلف بالطلاق لا يقع به شيء، وأن الطلاق المعلق إذا قصد به الحلف لا يقع به شيء، وغير ذلك من المسائل التي هي دون هذه المسائل في المخالفة.

لا تخرجه هذه وأشباهها عن نطاق الحنبلية، لأن الفقيه المنتسب يقع منه مثل ذلك، كالشأن بالمزني مع الشافعي، ولا يمكن أن يعد بهذه المسائل وأشباهها مجتهداً مستقلاً، لأنها كانت مدروسة عند أئمة آخرين قبله كالشيعة الاثنا عشرية، ولأن المناهج متحدة مع مناهج أحمد، وحيث اتحدت المناهج بين متقدم ومتأخر، لا يعد المتأخر مستقلاً، وإن الاستقلال في الاجتهاد استقلالاً مطلقاً متعذر الوجود بعد القرن الرابع، لا لنقص في القوى، بل لكثرة الدراسات واتساع آفاقها في المذاهب، حتى أنه لا يكاد فقيه يأتي بمجموعة من الأصول لم يعتنقها إمام قبله، فكان لابد من الانتساب مع حرية البحث والاجتهاد.

508