Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Daabacaha
دار الفكر العربي
وبعض هذه الحيل مروى عن أبى حنيفة، وإن الدارس لتلك الحيل المأثورة عن أئمة الفقه الحنفي يجد أنه لم يكن القصد منها هدم أحكام الشريعة، بل تحقيق أحكامها، وتسهيل قبولها، والموافقة بين الأقيسة والقيود التي وضعوها في العقود ومصالح الناس وحاجاتهم، بما لا يخالف مقصداً شرعياً؛ فكانت الحيل لا لتحليل محرم، ولكن لتقرير الشريعة على وجه قريب من مصالح الناس(١).
هذه نظرات ابن تيمية إلى الذرائع، ولم نتصد لأدلتها، والأسس التي قامت عليها، لأنا بينا ذلك في كتاب ابن حنبل، فمن أراد الاطلاع على هذه الأدلة فليرجع إلى كتاب ((مالك)).
٥٠٨- هذه أصول ابن تيمية التي اختارها مسلكاً للاستنباط؛ وإن دراسته له، وأوجه النظر التي أبداها فيها تدل على استقلال في اختيارها، فهو لم يكن في اختيارها تابعاً، كما لم يكن في دراستها تابعاً؛ كما لم يكن فيما وصل إليه منها تابعاً؛ وكان له فضل تحرير بعضها؛ فالقياس على النحو الذي ذكره لم يكن مسبوقاً بتحريره على هذا الوجه، وإن كان ينسبه إلى المذهب الحنبلي، وقد اتجه فيه إلى لب المعاني الفقهية، ولم يكتف بالأوصاف المجردة المنضبطة، بل قرب الفقه من وقائع الحياة ومصالح الناس، وخاض في ذلك خوض الفقيه العارف بأدق أصول الاستنباط، وفقه الآثار، والعارف مع ذلك بمصالح الناس وحاجاتهم، فجاء قياسه منهجاً سليماً جعله فقهاً حياً نامياً.
وباب سد الذرائع، وما اتصل به من الحيل لم تعرف الاستفاضة فيه بالشرح والتبيين أكثر من استفاضة ابن تيمية، وكان في هذا الغواص على المعاني الدينية والحقائق الشرعية العميقة.
وهكذا كل الأصول الفقهية التي درسها، قد اتضح من دراسته لها أنه إن
(١) عقدنا في كتاب ((أبو حنيفة)) فصلاً في الحيل، وازنا فيه بين المانعين للحيل وعلى رأسهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الذي حرر آراء شيخه، وبين نظر أبي حنيفة، وضربنا الأمثال وبينا أوجه الاتفاق والاختلاف، فراجع الكتاب المذكور من ص ٤١٧ إلى ص ٤٣٤.
507