507

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

إليه إلا بأمر محرم ؛ فإنه في هذه الحال لا يكون التحايل سائغاً، لأن المحرم الذي اتخذ وسيلة إلى الحلال حرام لذاته، كمن يتخذ الخيانة سبيلاً للوصول إلى حقه، أو شهادة الزور سبيلاً لإثبات حق مجحود؛ فإن ذلك لا يسوغ؛ لأن الخيانة حرام لذاتها؛ وشهادة الزور حرام لذاتها؛ والمضرة التي تترتب على فساد الشهادات، وضياع الأمانات أشد من المفسدة التي تقع بضياع حق مفرد لواحد من الناس، فإنه إن ساغ الاستشهاد بالزور لإثبات الحق؛ فيستشهد بالزور لإثبات الباطل، وإذا ساغت الخيانة للوصول إلى الحق، فسيسوغها لنفسه من يريدها لذاتها؛ وبذلك يكون أمر الناس فوضى؛ والحرام لذاته لا يباح مطلقاً، ولا في أي حال إلا للضرورة.

٥٠٦- ولا يسوغ ابن تيمية إلا نوعين من الحيلة: (أحدهما) الحيلة لطلب الحق بمعارض القول التي توهم غير المراد. (والثاني) أن يلهم الله الشخص طريقاً حلالاً للوصول إلى الأمر الحلال الذي يريده، فإن ذلك مباح باتفاق الفقهاء ما دام لا يعطل أمراً من أوامر الشارع، أو حكماً شرعياً من أحكامه أو شرطاً من شروطه التي اشترطها في العقود، وفي الحل والتحريم، وإن الذي يفعل ذلك يسلك المقاصد الشرعية من طرق شرعية، وإن تيمية لا يعد ذلك من التحايل على دين الله، إنما هو لتحقيق ما طلب الله سبحانه وتعالى، أو أباحه؛ ولذا يقول في ذلك: ((وإن تحصيل المقاصد بالطرق المشروعة إليها ليس من جنس الحيل، سواء أسمى حيلة أم لم يسم)).

٥٠٧- هذا نظر ابن تيمية للحيل يحرمها، ولا يعد منها الوصول إلى المقصود بطريق شرعي، وإن لم يكن هو موضوعاً له، ولقد اشتهر عن الحنفية الأخذ بالحيل والمخارج، حتى أنه يروى أن للإمام محمد من أصحاب أبي حنيفة وهو ناقل كتبه إلى الأخلاف - كتاباً في الحيل، وقد ذكره السرخسي في كتابه المبسوط شرح الكافي؛ ولقد تكلم الناس في نسبة الكتاب إلى محمد.

ومهما يكن مقدار نسبة ذلك الكتاب إلى راوية الفقه العراقي محمد بن الحسن. فإن الحيل قد اشتهرت عند الحنفية، وللخصاف كتاب يسمى الحيل والمخارج،

506