502

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

غيره، كمن يعد عقد زواج لا يقصد به أصل العشرة الدائمة، بل يقصد به أن يحلها لمطلقها الثلاث، وكمن يعقد عقد بيع لا يقصد به نقل الملكية وقبض الثمن؛ بل يقصد به التحايل على الربا، فإنه في هذه الأحوال وأشباهها يكون العاقد آثماً، ولا يحل له ما عقد عليه فيما بينه وبين الله، وإن قامت الدلائل عند إنشاء العقد على نيته اعتبرت تلك النية الظاهرة سبباً في فساد العقد وبطلانه؛ لأن اعتبار النية التي قام عليها دليل مادي اقترن بإنشاء العقد أولى في نظر بعض الفقهاء من اعتبار الألفاظ المجردة؛ لأن قرائن الأحوال تعين المراد، وتكشف المقاصد، وإن الألفاظ مقصودة للدلالة على مقاصد العاقدين، فإذا ألغيت تلك المقاصد، واعتبرت العبارات مجردة كان ذلك إلغاء لما يجب اعتباره؛ واعتباراً لما لم يقصد لذاته.

وأما الثاني وهو النظر إلى المآلات المجردة من غير اعتبار للبواعث، فالاتجاه هنا إلى الأفعال، فإن كانت تنحو نحو المصالح التي هي المقاصد والغايات من معاملات الناس بعضهم مع بعض كانت مطلوبة بمقدار ما يناسب طلب هذه المقاصد المقررة في الشريعة؛ وإن كانت مآلاتها تنحو نحو المفاسد فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المآلات.

والنظر إلى المآلات على ذلك النحو لا يلتفت فيه كما ترى إلى نية العامل، بل إلى نتيجة عمله وثمرته؛ وبحسب النتيجة والثمرة يحسن العمل في الدنيا أو يقبح، ويطلبه الشارع أو يمنعه. أما النية فعند الله حسابها؛ فمن سب الأوثان مخلصاً النية فقد أحتسب نيته عند الله في زعمه، لولا أن الله سبحانه وتعالى نهى عن السب إن أثار حنق المشركين فسبوا الله عدواً بغير علم، فقد قال تعالت كلماته: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم))، فالله سبحانه وتعالى وجه أنظار الناس إلى النتيجة والثمرة.

ولقد أخذ المذهب الحنبلي بمبدأ سد الذرائع: (١) منع بيع السلاح في الفتنة، (٢) ومنع تلقى السلع قبل نزولها في الأسواق، لأنه وإن كان الشراء في أصله

501