492

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

رده الحنفية لمخالفته نص الكتاب: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، وللسنة التي تفيد أن الضمان إنما يكون بالقيمة أو المثل، وتضمين صاع من تمر في نظير اللبن ليس بالقيمة أو المثل، ولقد ذكروا أنه مخالف للقياس من وجوه: أولها أنه أوجب رد صاع من تمر بإزاء اللبن وهما جنسان مثليان، والمثل يضمن بمثله لغير جنسه. وثانيها أن اللبن يحلب بعد الشراء والقبض وهو في ضمان المشتري، وهو فرع ملكه؛ فلا يضمنه بالتعدي، لأنه لم يتعد، ولا يضمنه بالعقد لأن ضمان العقد ينتهي بالقبض، ألا ترى أنه لا يضمن اللبن الذي يحدث. فكذا اللبن الذي كان حادثاً ثم حلب بعد القبض، وثالثها أنه لم يكن مالا مستقلا فهو كالحمل فلا يضمن، ورابعها أنه لو كان مالا لكان تابعاً كالصوف فلا يضمن وخامسها أن الضمان لو كان بالعقد لوجب إسقاط ما يقابله من الثمن، ولو كان بالتعدي لوجب مثله أو قيمته وفي كلتا الحالين لا يضمن بصاع من تمر.

والشافعي مع أنه أخذ بالحديث ولم يرده قال إنه مخالف للقياس المأخوذ من الأثر: ((الخراج بالضمان)).

ولكن ابن تيمية لا يعجبه شيء من هذا، ويرى الحديث موافقا للقياس الصحيح، فقد تسلم الناقة أو نحوها على أنها كثيرة الدر، فتبين أنها قليلة الدر، ففات وصف مرغوب فيه، فإن شاء أبقى وترك حقه في الفسخ، وإن شاء فسخ، وهنا نجد أن اللبن الذي حدث بعد الحلب كان في ملك المشتري فلا يضمن، وكان في نظير الحفظ في الملك، أما اللبن الذي اختزن في الضرع من قبل فقد حدث وهو في ملك البائع، وقد كان كثيرا، وقد رد العين من غيره، فكانت العدالة أن يضمن، ولكن لا يعرف بأي مقدار كان اللبن الذي كان يجب أن يعوض، وقد قدره النبي صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر، ولم يقدره بلبن، لأن اللبن مختلف من حيث نوعه، ومن حيث الحيوان الذي يدره، ولأنه غير معلوم، فلو قدر باللبن لكان احتمال الزيادة وهي ربا، فيحترز عنه، فكان الضمان بغير جنسه وكان قريباً منه؛ لأن غذاء العرب كان اللبن أو التمر، فعوض النبي صلى الله

491