484

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

تأخير بيعه إلى حال وجوده، أو بعدم في العقد عليه غرراً طردت العلة، فهو يوازن بين العلتين بأن إحداهما مطردة فتصلح للتعليل، والثانية غير مطردة فلا تصلح للتعليل.

ثم يقصد إلى اللب في الموضوع فيثبت أن الحكمة أو المناسبة تشهد الوصف الذي اختاره علة فيقول: المناسبة تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وحال عدم كان بيعه حال العدم فيه مخاطرة وقمار، وبها علل النبي صلى الله عليه وسلم المنع حيث قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟) بخلاف ما ليس له إلا حال واحدة، والغالب فيه السلامة فإن هذا ليس مخاطرة، والحاجة داعية إليه، ومن أصول الشرع أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، فهو صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما، وفي المنع ما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ذلك، فلا يمنعهم من الضرر اليسير بوقوعهم في الضرر الكثير، بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما))(١).

وفي هذا توجيه حسن للعلة، لأنه يقرر أن المضرة التي تنشأ من منع الإجارة لعدم وجود المعقود عليه وقت العقد أكبر من المضرة التي تنشأ من العقد، مع أن المنافع تكون غير موجودة وقت العقد، ولأن الضرر يكون من الغرر والمخاطرة إذا كان محل العقد غير موجود، ولا غرر ولا مخاطرة في الإجارة على المنافع التي توجد ساعة فساعة؛ إذ الغالب فيها السلامة إلى وقت التسليم، ولأننا لو أطلقنا الأمر في منع كل معقود عليه غير موجود وقت العقد وشمل المنافع لكان الناس في ضيق شديد، وحرج عظيم، من غير داع إليه؛ ولا يقال إن قياساً صحيحاً يقر ذلك الوضع، وإنه إن وجدت علة القياس كيفما كانت حالها من القوة فقد وجد المانع من إعمالها، وإنه لكي تعمل يجب ألا يوجد مانع من إعمالها، وحسب ذلك الحرج والضيق مانعاً، فإنه لا قياس يستقيم مع وجوده.

(١) رسالة القياس ص ٢٤٣.

483