480

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

الذي صار مؤجلاً، هو مال معروف بالوصف والنوع والجنس؛ والمال الذي يكون على هذا الوصف يكون ديناً في الذمة غير معين، ويقول الفقهاء إن عقد السلم جاء على خلاف القياس وأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وجاء به العرف، ووجه مخالفته للقياس أن الأصل أن يكون المبيع معيناً، والثمن غير معين؛ بأن يكون ديناً في الذمة، وفي السلم قد انعكس الوضع، وأيضاً فإن المبيع غير موجود في ملك البائع وقت العقد، ومن المقررات ألا يبيع الإنسان ما ليس عنده، ثم إن المبيع في السلم غير موجود وقت العقد، والأصل أن بيع المعدوم لا يجوز؛ لهذا كله قالوا إن السلم ثبت على خلاف القياس بالاستحسان، ووجه الاستحسان أن النبي صلى الله عليه وسلم سوغه، وأن عرف العرب جرى به؛ وأن فيه فائدة للمشتري وللبائع؛ ففائدته للمشتري الذي بيده النقود أن يدفع نقوداً سيتسلم بدلها في المستقبل، وربما استفاد كثيراً من تفاوت الأسعار عند القبض، وأن البائع أخذ نقوداً انتفع بها في تجارة رابحة، أو صناعة منتجة، أو زراعة مغلة.

هذا ما قرره الحنفية في عقد السلم، إذا اعتبروه عقداً ثبت استحساناً، وكان مخالفاً للقياس، ولكن ابن تيمية يقول إنه موافق للقياس موافقة تامة، وأنه لا يخرج على أن المبيع هو المؤجل، بل يخرج على أن المبيع هو المعجل؛ ويكون بدل السلم حينئذ ديناً ثابتاً في الذمة؛ فلم يوجد بيع معدوم، ولم يوجد بيع الإنسان ما ليس عنده، إذا اعتبر البائع هو الذي يدفع النقود، ولذا يقول: ((فأما السلم المؤجل، فإنه دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلاً في الذمة، وكون العوض الآخر مؤجلاً في الذمة، وقد قال تعالى: ((إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه))، وقد قال ابن عباس أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله، وقرأ هذه الآية، فإباحة هذا على وفق القياس، لا على خلافه))(١).

(١) رسالة القياس في ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ج ٢ ص ٢٢٦.

479