479

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

أبى حنيفة في الاستنباط، إنه يجرى القياس في غير موضع النص، إلا إذا قبح القياس فإنه يستحسن.

٤٨٠- ومهما يكن أمر التقارب بين نظر ابن تيمية ونظر أبي حنيفة في هذا المقام، فإن ابن تيمية لا يمكن أن يرتضي أمراً في الفقه الحنفي؛ وهو أنهم يجرون قواعدهم الفقهية المأخوذة من الأوصاف المنضبطة، حتى إذا خالفها نص أفتوا بالنص، وقالوا إنه جاء على خلاف القياس؛ ولا يقاس عليه، وكأنهم بهذا يجعلون القياس سابقاً للنصوص؛ وقد ترتب على هذا أن جاءوا لبعض العقود وقالوا إنها عقود جاءت على خلاف القياس، فالإجارة والمزارعة والسلم وغيرها من العقود جاءت على خلاف القياس، ومثل ذلك الشفعة وغيرها، فقد قالوا إن أحكامها جاءت على خلاف القياس، وتقبع فيها النصوص.

لم يرتض ابن تيمية ذلك المسلك، ووجد فيه قلباً للأوضاع الفقهية من ناحية النظر الفقهي المجرد، وإن كان من الناحية العملية متقارباً، بل يكاد يكون متلاقياً. ولذلك قرر أن لا شيء في النصوص جاء مخالفاً للقياس الصحيح، وأن لا شيء في القياس الصحيح يخالف النصوص؛ وما خالفها، أو توهم الفقهاء المخالفة فيه، فالمخالفة سببها الخطأ في فهم القياس، وأنهم توهموا المماثلة ولا مماثلة.

٤٨١- ولا يكتفي بمجرد الرد النظري، بل يجيء إلى العقود التي ادعوا أنها مخالفة للقياس. ويثبت موافقتها القياس، ولنقبض قبضة من هذه العقود ونعرضها. وستجد فيها عبقرية ابن تيمية في التخريج، وضبط الأحكام، ورد الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات في دقة وإحكام، واستقامة تفكير؛ وينتهي إلى ضبط للأقيسة في الجملة، وإن كان يخالف منهاج الحنفية.

(أ) ولنبتدئ من هذه العقود بعقد السلم، وعقد السلم قسم من أقسام عقود البيع، وهو البيع الذي يكون فيه تسليم المبيع مؤجلاً، وتسليم الثمن معجلاً. ويقول الفقهاء في تعريفه بأنه بيع آجل بعاجل، أو بيع دين بعين؛ لأن المبيع

478