Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Daabacaha
دار الفكر العربي
أولهما: أن ابن تيمية تحرى هذه التفرقة لإثبات أن الشريعة الإسلامية كلها تعتمد على النصوص، إما بالنص أو بالحمل عليها، فالشريعة ما جاءت به النصوص، وما قيس على هذه النصوص، وأن كل ما جاء في الشريعة الإسلامية يتفق تمام الاتفاق مع المصلحة، ومع الأقيسة الفقهية الصحيحة؛ فإذا كان الفقهاء قد حاولوا استخلاص طائفة من القواعد بالأقيسة على النصوص، والجمع بين المؤتلف منها، وتوضيح الفروق بين المختلفة، فأمارة صدق هذه القواعد ألا يوجد أمر شرعي، أو نهي شرعي، أو إباحة قد ثبتت بالنص أو الإقرار من الرسول يخالف هذه القواعد وتلك الأقيسة، فإن جاء قياس وخالف أمراً مقرراً في الشريعة فهو الفاسد؛ وكذلك إذا خالفت قاعدة قامت على الجمع بين الأشباه والنظائر نصاً شرعياً فالمخالفة للقياس فيها لا في النص، ولا في الأمر الذي أقرته الشريعة.
ثانيهما: أنه لا ينظر إلى الأوصاف التي تعد عللا - النظرة المقيدة التي ينظرها الحنفية والفقهاء القياسيون عامة، بل يعتبر الأوصاف المناسبة التي تعد المصلحة المشتملة عليها التي أوجبت الحكم هي العلة في القياس؛ لأنها الباعث الحقيقي عليه.
٤٧٧- ولنبين ذلك بعض البيان، مع الإجمال:
إن الحنفية ومن نهج نهجهم يقررون أن القياس أساسه العلة، وهي الوصف الظاهر المنضبط المشترك بين الأصل والفرع، وهو الذي يؤثر في ثبوت الحكم في الأصل، فيثبت بمقتضاه الحكم في الفرع، ويفرقون بين العلة، وهي ذلك الوصف المؤثر، وبين الوصف المناسب أو الحكمة، ويقولون الحكمة هي الوصف الملائم غير المنضبط الذي تتحقق معه المصلحة التي قصد إليها الشارع من إثبات الحكم بالطلب أو المنع، أما العلة فهي الوصف الظاهر الملائم المنضبط الذي من شأنه أن يكون الحكم أثراً له، وهي في غالب الأحوال تتلاقى مع الحكمة لأن الملاءمة المشتركة بينهما هي التي اقتضت أن يكون الوصف الذي اختبر علة هو مناط الحكم لانضباطه، ولكن قد توجد العلة، ولا توجد معها الحكمة؛ ولا يمنع ذلك من كون العلة مؤثرة،
475