471

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

للفرع في موضع الأصل، وللأصل في موضع الفرع؛ ولكن وجد من المتأخرين المقلدين أو المجتهدين في المذاهب من جعل المسائل يبحث أولاً فيها: أهي موضع إجماع أم لا، فإن وجدها موضع إجماع لا يتجاوزه من بعد ولو قامت السنة تنادي مشيرة معلمة بمكانها؛ وقد تكون المسألة التي ادعي الإجماع فيها موضع خلاف طويل، ولكنه يجهله واقتصر في علمه على الفقهاء الأربعة ومن يقاربهم غير متقص الأمر وراء ذلك؛ وقد ناقش ابن تيمية هذه القضية، وقال في ذلك:

((كان ابن عباس يفتي بما في السنة، ثم بسنة أبي بكر وعمر لقوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وهم أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء، وهذا هو الصواب، ولكن طائفة من المتأخرين قالوا يبدأ المجتهد بأن ينظر أولاً في الإجماع، فإن وجده لم يلتفت إلى غيره. وإن وجد نصاً خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم الإجماع نسخه، والصواب طريقة السلف)).

٤٧٢- ونرى من هذا أن ابن تيمية يرى أن طريقة السلف هي تأخير الإجماع عن النصوص، فإن عارض الإجماع نصاً ولو خبر آحاد قدم على الإجماع؛ ويحكم بأن ذلك كان مسلك المتقدمين وبعض المتأخرين، أما البعض الآخر من المتأخرين فيقدم الإجماع على النصوص حتى القرآن؛ وهم فريقان، أحدهما: يقرر أنه إذا علم نصاً يخالف الإجماع، فلا بد أن يكون ذلك النص قد نسخ بنص مثله ولذا كان ذلك الإجماع على النص الناسخ؛ وفريق آخر يرى أن الإجماع نفسه قد نسخ ذلك النص، وابن تيمية يرد الأمرين ويرى فيهما قلباً للأوضاع فوق أن سلوك مسلك تقديم الإجماع على النصوص خطر في تعرف الحق؛ ذلك بأن الإجماع معرفته ليست ميسرة معبدة، فقد يزعم المجتهد أن الإجماع قد انعقد، والإجماع لم ينعقد، وما ادعيت قضية انعقاد الإجماع في مسألة إلا وتبين أن فيها خلافاً، حتى قال الشافعي في إحدى مناظراته: ((اجتمع الناس على أنه لم يكن إجماع

470