450

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

أولها: أنه مجتهد مطلق؛ ولكن ينقض هذا استمساكه بالمذهب الحنبلي في أكثر أدواره، وفي أكثر آرائه، وإعلانه أن المذهب الحنبلي خير المذاهب، وأنه أقربها إلى السنة؛ وأنه يشتمل على القول الراجح عند اختلافه مع بعض الأئمة، وأنه إن كان فيه قول ضعيف، فالقوي فيه أيضاً، وأنه فيما ينفرد به عن الأئمة، لا بد أن يكون فيه ما يوافقهم، وأنه ما من أمر يكون فيه المذهب الحنبلي على قول واحد إلا كان من الأئمة من يوافقه، وإن خالفه أبو حنيفة والشافعي ووافقه مالك.

فدعوته للمذهب الحنبلي بتلك الدعاية تصريح بأنه منتسب إليه، مهما تكن مرتبته في العلم بالأصول والمناهج، ولأنا لم نجده خالفه إلا في بعض مسائل قليلة؛ وما خالفه قد ذكر أنه بناه على أصوله، وعلى مناهجه، فلم يكن فيه منطلقاً عنه.

وفوق ذلك إن الأصول الفقهية التي بنى عليها اجتهاده هي أصول أحمد، فهو لم يخالف أصلاً من الأصول المقررة في المذهب الحنبلي، وإن كان له منهاج في تقريرها وتقريبها، فهو لتوضيحها، والدفاع عنها. والبناء عليها؛ وإن هذا بلا شك يجعله ملازماً للمذهب الحنبلي لا يمكن أن يكون منطلقاً عنه خالعاً ربقته.

القول الثاني: أنه فقيه في المذهب الحنبلي دون مرتبة الفقيه المنتسب، ولكن علمه بالسنة علماً كاملاً - إذ يكاد يحفظ أكبر قدر في طاقة عالم أن يحفظه وموازنته الفقهية بين الأئمة وعلمه بالأصول علماً دقيقاً، واستخدامه لهذه الأصول - كل هذا يجعلنا لا نستطيع أن نقرر أنه قد حصل خلل في أدوات الاجتهاد عنده؛ وعلمه بالأصول هو علم المستقل الفاهم المستيقن المدرك، وما اتفق فيه مع أحمد في الأصول وإن كان كثيراً كان عن بينة؛ وما ارتضى من فروع أحمد كان عن دليل خاص لكل ما يختاره.

وقد يقول قائل إنه قد تخلف به الزمان عن أن يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق أو الاجتهاد المنتسب، فإنهما في معنى متقارب من حيث القدرة العلمية؛ فقد كان

449