446

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

٤٤٨- وإنا نختار في العدد والتقسيم ما اختاره ابن تيمية، فقد قسم أبو عمرو ابن الصلاح وابن حمدان المجتهدين إلى خمسة أقسام؛ وقد ذكر ابن تيمية هذه الأقسام في مسودة الأصول التي ابتدأها جده، وأتمها أبوه، وزاد عليها هو:

القسم الأول: المجتهد المستقل، أو المطلق الذي لا ينتمي إلى مذهب؛ ولا يتقيد بأصول خاصة لإمام آخر، وينتهي إلى نتائج في أصول الاستنباط تخالف ما عليه غيره في قليل أو كثير؛ وقد ادعى ابن الصلاح أنه قد طوي بساط المجتهد المطلق على هذا المعنى؛ لأنه قد استوعب العلماء الأصول، وأكثروا من الفروع، حتى صار من العسير أن يجيء شخص فيأتي بما لم يأت به أحد من الأولين.

القسم الثاني: المجتهد المنتسب وهو مجتهد في الفروع وفي الأصول؛ فهو يتعرف الحكم من دليله، ولكنه يتلاقى مع إمام من الأئمة في منهاجه وطريقه في الاستنباط، إما لأنه تربى في مذهب ذلك الإمام وترعرع فيه؛ أو لأنه انتهى في دراسته الحرة إلى موافقة ذلك المذهب في الأصول والمنهاج؛ ويسمى هذا مجتهداً منتسباً لأنه يدعو إليه، ولأنه قرأ كثيراً منه على أهله فوجده صواباً، وأولى من غيره، وأشد موافقة له. ومن هؤلاء كثيرون من أصحاب أحمد الذين عاصروه وتلقوا عليه؛ وبعض أصحاب مالك كابن القاسم وابن وهب، وابن عبد الحكم وغيرهم؛ وبعض أصحاب الشافعي كالمزني، ويدعى بعضهم أن من هؤلاء أصحاب أبي حنيفة كزفر بن الهذيل وأبي يوسف، ومحمد(١).

وهذا القسم هو الذي ينمو به المذهب، فإنه يجتهد في المسائل التي تتجدد والحوادث التي تقع، ويكون اجتهاده على مقتضى المنهاج الذي وضحه إمامه. واختاره هو عن بينة لا عن تقليد، وآراؤه تعد آراء في ذلك المذهب، وقد ينتهي إلى مخالفته في بعض الفروع، وتلك المخالفة لا تمنع أنها تكون في المذهب، وقد

(١) قد اخترنا أن هؤلاء مجتهدون مستقلون، لأنهم خالفوا شيخهم في المنهاج والفروع، وإن كان شيخهم الفضل الأول راجع في هذا كتابنا (أبو حنيفة).

445