Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Daabacaha
دار الفكر العربي
نظر وافى هذا إلى أنها حرم المسلمين جميعاً الآمن إلى يوم الدين، وأن ذلك مأخوذ من قوله تعالى في المسجد الحرام: ((سواء العاكف فيه والباد))، أي سواء المقيم فيه أو حوله، والباد أي المسافر الذي يقصده ويَحُج إليه. ولذلك يقول ابن تيمية نفسه عن روايته عن أحمد في نهيه عن بيع المنازل في مكة وشرائها، وبعض الناس يتأول قوله تعالى: ((سواء العاكف فيه والباد)).
وإن منع إجاراتها هو المروي في الصحاح عن الصحابة والتابعين، ولقد روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي هو وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن(٢). وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينهى عن تبويب دور مكة لينزل الحجاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك. فقال: أنظر في يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري. قال: لك ذلك إذن. وروى أن عمر رضي الله عنه قال: ((يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل الناس)).
وروى عن ابن عمر موقوفاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً»(٢).
وفي هذه الآثار نلمح أن المقصد من منع إجارة دور مكة أنها حرم الله الآمن؛ وأن التيسير في الحج وتسهيله، وجعله غير شاق لا يسوغ إجارتها. ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن بيع الطعام في موسم الحج، حتى لا يجهد الناس، ويكون الاحتكار، وترتفع الأسعار.
فمكة بهذا الاعتبار لها منزلة خاصة، ولذا يقول أبي عبيدة: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سن لمكة سنناً لم يسنها لشيء من سائر البلاد... إنها مناخ لمن سبق، ولا تباع رباعها، ولا تؤخذ إجارتها ولا تحل ضالتها، ولا تغلق دورها دون الحاج... ولا يطيب كراء بيوتها، وإنها مسجد للمسلمين))(٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٤ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢١٤
(٣) كتاب الأموال لأبي عبيد.
411