408

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

أن تعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله تعالى، فإنه سبحانه فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين، أو لمن يعاون المؤمنين. فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئاً حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة(١))).

ونحن نخالف ابن تيمية في هذا لثلاثة أسباب:

أولها: عموم نصوص القرآن في مصارف الزكاة من غير تخصيص بين مطيع وعاص، وليس لأحد أن يخصص مجرد استحسانه من غير نص مخصص، أو دليل من الشرع يدل على التخصيص. ثم لا ندري كيف نعطي لغير مسلمين لنتألفهم على الإسلام من الزكاة، ولا نعطي العصاة، أفلا نعطيهم لنتألفهم على الطاعات، كما تألفنا هؤلاء على الإسلام. لذلك نرى أن رأي ابن تيمية إن لم يخالف نص آيات الزكاة فهو يخالف روحها، أو مرماها في الجملة.

ثانيها: أن الزكاة معونة على الحياة؛ فهي تعطى للحي لتقوم حياته؛ ويوفر له الضروري من حاجاته؛ وإن سايرنا ابن تيمية في منطقه فمؤدى ذلك ألا يكون للعاصي حق الحياة؛ وأنه يباح للمجتمع أن يتركه يتضور جوعاً حتى يموت، وإذا كان ذلك مباحاً فقتله أيضاً مباح؛ لأنه لا فرق بين القتل بالسيف والقتل بالجوع إلا في الوسيلة، ولا فرق بينهما في النهاية، وإن أحداً لم يقل ذلك إلا الخوارج، وليس ابن تيمية منهم والحمد لله.

إن الزكاة شرعت لتنظيم المجتمع، وتخفيف ويلات الفقر، وهي بر وعطف؛ ولا يختص بالبر والتعاون فريق دون فريق، وإنه ربما كان العصيان لا بتئاس النفس بالفقر والحاجة، وإن علم النفس الجنائي أثبت أن الجرائم تنبعث في نفوس الذين ينبذهم المجتمع؛ إذ تتولد فيهم روح العداوة للناس، فمنع العصاة الفقراء من حقهم الشرعي في الزكاة لا يدفعهم إلى الطاعات، بل يدفعهم إلى الجرائم والمنكرات، فتفوت النتيجة على القصد، ويتحقق شر كبير، وخطر مستطير.

وثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعين المشركين في ضرائهم، فعندما

(١) الاختيارات العلمية ص ٦١ طبع الكردي.

407