375

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

ولقد قال ابن تيمية في هذه الحال الأخيرة إنه يسوغ للمظلوم أن يعطي ليرفع عنه الظلم، وإثمه على من ظلمه، وعلى من صعب وصول الحق إلى صاحبه، وعلى ذلك تأخذ الهدية وصفين متغايرين بالنسبة للطرفين، فهي بالنسبة للمعطي لا إثم فيها، وهي في موضع العفو والغفران، وبالنسبة للآخذ حرام؛ ويستشهد ابن تيمية لحل الإعطاء من المعطي في هذه الحال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعطي أحدهم العطية، فيخرج يتأبطها ناراً، قيل يا رسول الله فلم تعطيهم؟! قال يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل)) وإذا كان الإلحاح قد سوغ للنبي أن يعطي، فكيف لا يسوغ دفع الظلم للمظلوم أن يعطي.

٣٨٥- هذا رأي ابن تيمية في الهدية في الحال الأخيرة وهي رشوة في حق من يأخذ، لا ريب في ذلك؛ حلال في حق من أعطى؛ أما في الحال الأولى، وهي ما إذا كان ما يطلبه ليس حقاً له، فإنها رشوة من الجانبين، وهي نشر للشر والفساد وتوسيد الأمر إلى غير أهله؛ وينطبق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لعن الله الراشي والمرتشي)) ويقول ابن تيمية الرشوة تسمى ((البرطيل والبرطيل في اللغة الحجر المستطيل فوه(١))). فكأن تلك التسمية تشبه حال الراشي والمرتشي معاً؛ إذ كلاهما يمتد فوه إلى ما ليس له ويأخذ ما ليس حقه.

ويدخل في حكم هذه الحال من طلب مالا يرجح على غيره كأن يدفع مالا ليرجح على سواه في الولاية؛ وهما متساويان، أو غيره أولى منه؛ فإن الآخذ والمعطي يكون كلاهما آثما مرتكبا جريمة في دينه وخلقه ودولته، وذلك لأن الرشوة في ذاتها جريمة، ولا ترخص إلا في حال الضرورة، حيث تتعين طريقا لرفع الظلم، أو الوصول إلى الحق؛ ويبوء الآخذ بإثم الفريقين؛ وفي هذه الحال لا ظلم ولا حق يتعين للمعطي فلا رخصة في الإعطاء فتكون على أصل المنع، وحقيقة الإجرام لا ترفع عنها، وفوق ذلك، إن الولاية لا يسوغ طلبها إذا

(١) الكتاب المذكور ص ١٦٩.

374