374

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

هذا، والمنفعة في هذا ليست لهذا الباذل، حتى يؤخذ منه الجعل، كالجعل على الآبق والشارد (١))).

نظرة حكيمة عادلة؛ يستغرب ابن تيمية قول من جعل ثمن الجاه وأجر الساعي لدى الحكم لرفع الظلم، أو إعطاء الحق - كأجرة من بحث عن جمل شارد، أو عبد آبق من وجوه ثلاثة: أولها - أن الجعالة النفع فيها خاص، فهي لصاحب الجمل أو صاحب العبد، أما الولايات والأعطية وغيرها فالأمر فيها عام والنفع عام، ثانها - أن معاونة المظلوم، وتمكين العدل الصالح من العمل الذي يناسبه في الدولة، إذا لم يكن غيره أولى منه من قبيل الفروض على وجه الكفاية التي إذا قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين، أو فرض عين، أما البحث عن الجمل الشارد أو نحو ذلك فليس من قبيل الفرائض العامة. وثالثها - أن أخذ أجرة على المعاونات الشخصية لا ضرر فيه على الجماعة، ولا يترتب عليه أي إثم عام ينشر الشر والفساد؛ أما أخذ أجرة على الولايات أو دفع الظلم أو إعطاء الحق، فإنه يؤدي إلى معنى يقوض العدل في ذاته، ويجعل أعمال الدولة لا يعود نفعها على أحد إلا لمن يدفع جعلا فرديا؛ فلا يرفع الظلم إلا بثمن، ولا يجلب الحق إلا بثمن، فوق الفرائض الأساسية التي قامت عليها قواعد الدولة، وميزانيتها.

٣٨٤- هذه نظرة ابن تيمية فيمن يأخذ الهبات من الحكام والولاة، وذوي الجاه عند الحكام والولاة والأمراء. أما من يعطي ويهب فله في نظر ابن تيمية ثلاث أحوال: أولها - أن يكون طالبا ما ليس بحقه، أو يطلب من يكون غيره أولى منه فيه؛ أو ما لا يتعين هو له. بل يستقيم الأمر بغيره فيه. وثانيتها - أن يطلب ما هو حق له وهو أولى به ولا أحد في اعتقاده خير منه، ولا أحق. ويمكن أن يصل إلى حقه بغير الهبة والهدايا؛ بل بالإقناع والاستدلال، ولكنه اتخذ الهبات طريقا. والثالثة - أن يكون صاحب حق ولا يمكنه الوصول إلى حقه إلا بهذه الطريقة.

(١) فتاوى ابن تيمية ج ٤ ص ١٧٠ طبع الكردي.

373