373

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

الحكام ولهم جاه عندهم أن يأخذوا ليوصلوا صاحب الحق، الإجماع منعقد على أنه لا يجوز أن يأخذوا أيضاً، وهم آثمون إن فعلوا؛ لورود الأحاديث الناهية عن هذا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له هدية فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا)). وسئل ابن مسعود عن السحت فقال: «هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدى لك هدية فتقبلها»، فقال له أرأيت إن كانت هدية في باطل، فقال ذلك كفر ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)).

ولأن ذلك يؤدي إلى الرشوة، ويؤدي إلى أن تباع الوظائف والأرزاق، وبه يروج الفساد؛ ولأنه مال بلا عوض يقوم بمال، لأنه من باب السعي لرفع الحق، وهو واجب ديني من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمصالح العامة التي تجب معاونة ولي الأمر عليها، وأداؤها من النصيحة لأولياء الأمر وإرشادهم إن كان ذلك حقاً.

ومع هذه الحجج البيّنة والنصوص الواضحة، وإجماع السلف الصالح والأئمة المجتهدين على عدم جواز أخذ مال لمن يسعى في إنصاف المظلوم وإقامة العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه - مع هذا وجدنا في عصور الظلم والفساد والفوضى، من سايرها، فوجدنا من المتسمين باسم العلماء من قال إن أخذ المال يجوز لذوي الجاه والشفاعة ماداموا يعملون لرفع الحق، ولذا اشتد ابن تيمية في لومهم ونقدهم، فقال رضي الله عنه:

((رخص بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك، وجعل هذا من باب الجعالة وهذا مخالف للسنة وأقوال الصحابة والأئمة فهو غلط، لأن مثل هذا العمل هو من المصالح العامة التي يكون القيام بها فرضاً، إما على الأعيان، وإما على الكفاية. ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن تكون الولاية وإعطاء أموال الفيء وغيرها لمن يبذل في ذلك، ولزم أن يكون كف الظلم عمن يبذل، والذي لا يبذل لا يولى ولا يعطى، ولا يكف عنه الظلم، وإن كان أحق الناس، وأنفع للمسلمين من

372