366

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

دون مذهب؛ ولا يتحيز لإمام دون إمام؛ بل يتعمق في دراسة كل مذهب؛ كأنه يدرسه وحده، ويتخصص فيه؛ حتى ليعلم دقائقه أكثر من بعض الكبار من الآخذين بذلك المذهب لا يتجاوزونه، ويغلقون الباب عليهم في فهمه، ويقدر الأئمة كلهم حق قدرهم، وإن دراسته المقارنة لهذه المذاهب قد جعلت فهمه يدق في الوصول إلى أغوارها، ويدرك مفارقاتها ومقارناتها في فهم عميق، وإدراك دقيق. ومع هذه النظرات في الأفق الواسع، قد كان يميل إلى مذهب أحمد من غير تعصب، كما بينا، وأهل تلك الدراسات الواسعة هي التي جعلته يعرف ميزات ابن حنبل لشموله، وقربه من السنة وتحريره للأثر.

ومع هذا التقدير الشامل، والعلم الواسع لمذاهب الأئمة، ومذاهب التابعين، كان يحلق في سماء الكتاب والسنة غير مقيد إلا بنصوصهما؛ ولقد أدت به هذه الدراسة إلى أن يخالف الأئمة الأربعة ومذاهب الجمهور؛ لأنه رأى السنة في غير ما قالوا، ونصوص القرآن بظواهرها وبحكمها تصرح بغير ما انتهوا إليه، خالفهم أجمعين في أيمان الطلاق: وفي الطلاق الثلاث، ولذلك وافق الشيعة فيما قالوا، أو قاربهم، وخالف فقهاء الجماعة مجتمعين، وسنرى أن ذلك الرأي الذي انتهى إليه في الطلاق والإيمان متلاق مع مذهب الشيعة الإمامية في جملته وفي بعض تفصيله.

٣٧٥- من أجل هذا نقسم الدراسات الفقهية التي تعرض لها ابن تيمية إلى أربعة أقسام: أولها - فتاوى في مسائل تقيد فيها بمذهب أحمد بن حنبل، وتقرير الحق فيها. وثانيها - دراسة مقارنة للمسائل في مذاهب الفقه المختلفة. وثالثها - اختيارات من المذاهب الأربعة قالها غير متقيد فيها بمذهب معين من مذاهب السنة وإن كان في الجملة لا يخرج عن مذاهب السنة فيها، والقسم الرابع اجتهاده في مسائل أداه إلى الانطلاق فيها من قيود مذاهب الجماعة، ومخالفتها جميعاً؛ وسنفرد لكل واحد من هذه الأقسام باباً نضرب الأمثال فيه.

365