360

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

مهما تكن إمامته، ولا ينظر إلى الشريعة إلا من وراء نظره، وبمنظاره لا يعدوم، فإن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب الروضة الشريفة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولذلك لا يسوغ لطالب الحق الآخذ بمذهب من هذه المذاهب أن يلتزمه في أمر من الأمور التي يرى الحق في غيره من المذاهب الأخرى، ويقول في ذلك رضي الله عنه: ((إن الإنسان ينشأ على دين أبيه، أو سيده، أو أهل بلده، كما يقبع الطفل في دين أبويه، وسادته، وأهل بلده، ثم إذا بلغ فعليه أن يلتزم طاعة الله ورسوله حيث كانت، ولا يكون من إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فكل من عدل عن اتباع الكتاب والسنة، وطاعة الله ورسوله إلى عادته وعادة أبيه وقومه فهو من أهل الجاهلية، وكذلك من تبين له في مسألة من المسائل الحق الذي بعث الله به رسوله، ثم عدل عنه إلى عادته، فهو من أهل الذم (١).

٣٦٩- ولكن هل يسوغ لكل شخص أن يترك مذهباً قلده لما يظنه الحق في غيره ولو كان هذا الشخص من غير أهل النظر والاستدلال، أو كان الباعث الهوى؟ يقسم ابن تيمية الناس بالنسبة لهذه المسألة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من يتبين له رجحان قول آخر على قول إمامه الذي التزم مذهبه. وهو يعرف الأدلة التفصيلية؛ ويدرك الراجح من المرجوح، وعنده أدوات الموازنة، ومعرفة الأحكام من النصوص والأقيسة، وهذا يكون من الواجب عليه أن يتبع الحق في دين الله تعالى، ولا يتبع سواه، حتى يكون عاملاً بقوله تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً))، وقوله تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم))، ولذلك إذا تبين لمن عنده قدرة على الاستدلال أن الحق في غير المذهب الذي التزمه وجب عليه أن يتبع ما في المذهب

(١) الفتاوى ج ٢ ص ٢٠٢ طبع الكردي.

359