359

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

رضى الله عنه. درك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما أن يكون متعذراً أو يكون متعسراً، وقد قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما لام مجتهداً على اجتهاده إذا كانت عنده أدواته من الفهم، ولا فرض عقاباً على مجتهد مخطئ، ولو كان عقاباً دنيوياً؛ ولذلك لم يوجب على أسامة بن زيد عقاباً، لا بالقصاص ولا بالدية ولا بالكفارة لما قتل من قال لا إله إلا الله في إحدى الغزوات معتقداً جواز قتله، لأنه قالها تحت حر السيف، وقال في هذا المقام جمهور الفقهاء على أن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل لا يضمن بقود ولا دية ولا كفارة؛ وإن كان قتلهم وقتالهم حراماً (١))).

ونرى من هذا أن ابن تيمية كان يتسامح في المخالفة في الفروع ما دامت من مجتهد توافرت له أدوات الاجتهاد كلها، بينما لا يتسامح في العقائد؛ ولذلك يرمي المخالفين له في العقائد بالابتداع أحياناً، والضلال أحياناً، والتكفير في أحيان قليلة. ويظهر أن السبب في ذلك أنه لا يبغي أن يكون في أي أمر يتصل بالعقيدة خلاف، كما أنه لا اختلاف في أصل الفرائض؛ لأن العقيدة وأصل الفرائض جوهر الدين ولبابه، والحقيقة أن الخلاف في شؤون العقيدة كانت خلافات جزئية لا تتصل بلبابها وجوهرها؛ بل يكاد الخلاف فيها يكون لفظياً.

لا يلزم مذهب إمام في أمر إذا كان الحق في غيره:

٣٦٨- وإذا كان ابن تيمية يقدر الأئمة الذين اعترفت الجماعة الإسلامية بفضلهم، ويخص مذهب أحمد بفضل من التقدير لقربه من السنة؛ فإنه يقدر الحق في هذا الشرع الشريف، من غير نظر إلى سواه، فلا يسوغ لأحد أن يلتزم مذهباً معيناً قد اختاره إذا تبين له أن الحق في أمر هو في غيره، فإنه يجب أن يكون رائد طالب الشريعة هو الحق لذات الحق، ولا يسوغ له أن يتعصب لرجل

(١) الرسالة المذكورة ص ٣٦.

358