357

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

بخلافه .. ولما بلغه أن الطاعون بالشام (وهو قادم إليه) استشار المهاجرين الأولين .. ثم الأنصار .. ثم مسلمة الفتح فلم يخبره أحد بسنة ، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون وأنه قال: ((إذا نزل الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها))(١).

٣٦٥- ويذكر في الأمر الثاني: وهو علمهم بالحديث وظنهم أن الحديث لا ينطبق على المسألة التي أفتوا فيها كالحديث المرفوع: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»، فإنهم فسروا الإغلاق بالإكراه، ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير.

ثم يقول في سبب عدم التطبيق لمعنى الحديث مع العلم به: «تارة يكون معناه في لغته وعرفه غير معناه في لغة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحمله على ما فهمه في لغته بناء على أن الأصل بقاء اللغة كما سمع بعضهم آناراً في النبيذ، فظنوه بعض أنواع المسكرات؛ لأنه لغتهم، وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد، فإنه جاء مفسراً في أحاديث كثيرة صحيحة، وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب والسنة، فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة، بناء على أنه كذلك في اللغة، وإن كان قد جاء من الأحاديث أحاديث صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل شراب مسكر. ويكون اللفظ مشتركاً أو مجملاً أو متردداً بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده ... وتارة تكون الدلالة من النص خفية، فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جداً، يتفاوت الناس في إدراكها، وفهم وجوه الكلام، بحسب منح الحق سبحانه ومواهبه، ثم قد يعرفها الرجل من حيث العموم، ولا يتفطن لكون هذا المعنى داخلاً في العام، ثم يتفطن له تارة، ثم ينساه بعد ذلك، وهذا باب واسع جداً، لا يحيط به إلا الله(٢).

٣٦٦- ويبين السبب الثالث لمخالفة الحديث لظن أنه منسوخ، فيذكر أن بعض العلماء يعتقد أن الحديث مؤول أو منسوخ لمعارضته نصاً آخر، ويضرب

(١) رسالة رفع الملام صفحة ٢٤، ٢٥ في ضمن رسالتين: مطبعة الآداب والمؤيد سنة ١٣١٨.

(٢) الرسالة المذكورة صفحة ٣١.

356