354

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

وفي الواقع أن كثرة الأقوال في مذهب الإمام أحمد، وكونه مذهباً مستمدًا من الأثر جعله لا يخالف نصاً؛ وعاون على ذلك كون أحمد كان عالماً من أكبر علماء السنة، وكان جماعاً لها؛ ولقد كان رضي الله عنه إذا أعزه الأثر ولو كان ضعيفاً ما دام غير ثابت الكذب - أخذ عن فقهاء الأثر، كسفيان بن عيينة والثوري ومالك رضي الله عنه، ولذلك كثرت موافقاته لمالك؛ ولا يلجأ إلى القياس إلا عند الضرورة الشديدة.

وكثرة الأقوال في مذهب أحمد كان سببها استمساكه بالسنة وتورعه عن أن يفتي بالقياس جازماً. فقد كان أحياناً يفتي في المسألة ثم يرى حديثاً، فيفتي بمقتضى الحديث، ويهجر قوله الأول، ولكن يروي الاثنين، وأن أحمد كان أحياناً يترك في المسألة قولين، وذلك إذا وجد الصحابة قد اختلفوا، ولم يجد حديثاً يرجح أحد الرأيين على الآخر فيترك في المسألة رأيين، ولقد قال في ذلك ابن القيم: ((إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول، فإذا رويت المسألة عنه - روي الرأيان فيها أو الأكثر من غير ترجيح لرأي على رأي فكان له القولان ((منسوبين إليه (١))).

وقد وجد ابن تيمية في ذلك الخلاف معيناً نافعاً، لأنه جعل مذهب أحمد لا يشتمل على شذوذ قط، لأنه ما من قول مرجوح فيه إلا كان الراجح فيه أيضاً، فكان ذلك مرية استحسنها؛ وحببته إليه؛ ومن هذه النافذة قد فتح النور ليدرس فقه الصحابة وفقه التابعين دراسة استيعاب؛ وفتح له عين الطريق ليدرس الفقه دراسة فاحصة كاشفة مميزة.

٣٦٢- إن ابن تيمية إذن حنبلي النزعة، يفضل مذهب أحمد على سائر المذاهب الأربعة، ويتقيد في استنباطه بأصوله، وإذا كانت المذاهب الأربعة هي

(١) إعلام الموقعين ج ١ ص ٢٥.

353