349

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

لدعاة البغى والعدوان والفساد، وإن التغيير يكون بالإرشاد والموعظة الحسنة، الكلمة الحق تقال للحكام الظالمين، مهما يكن ما يترتب عليها من قتل أو سجن، ويرى ابن تيمية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائر»، فهو يوجب على العلماء أن يجبهوا الحكام الظالمين بكلمات الحق والعدل والإرشاد؛ ويرى أن ذلك أخص أعمالهم وألزمها، ولكن لا يسوغ الفتنة أو الدعوة إليها، لأن التاريخ أثبت أنها لا تقيم حقاً قط، ويقول في ذلك رضي الله عنه:

«المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفاسدين بالتزام الأدنى، ولعله لا نكاد نعرف طائفة خرجت على ذي السلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته، والله تعالى يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان، ولا أمر بقتال الباغين ابتداء بل قال تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، فلم يأمر بقتل الفئة الباغية ابتداء، وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع». قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا»، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم مع إخباره أنهم يأتون أموراً منكرة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرة، وأموراً تنكرونها». قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية، ولا ينزعن يداً عن طاعة(١)».

(١) منهاج السنة ج ٢ ص ٨٧.

348