Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Daabacaha
دار الفكر العربي
كان شرف الكعبة أنها بيت اللّه وأول بيت وضع للناس، وشرف المسجد الأقصى؛ لأنه مسجد الأنبياء السابقين وموضع الإسراء، ومنه كان الإعراج؛ فماذا يكون شرف المسجد المحمدي؟ إنما شرفه من إقامة الرسول به وكونه كان مكان النور المحمدي، والهدى الإسلامي، وإن شد الرحال إليه ليرى الرائي موطن الوحي، ومنازل النبوة؛ وإن تلك الذكريات كما تتحقق في المسجد الشريف تتحقق في الروضة الشريفة، بيد أن هذا يصلى فيه، وتلك لا يصلى فيها، لموضع النهي من أن يتخذ القبر مسجداً، فيقتصر على مورد النهي.
٣٣٦- يسأل ابن تيمية لماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مدفنه في مسكنه وهو حجرة عائشة رضي الله عنها؟ ويختار الجواب، وهو ألا يتخذ قبره مسجداً؛ ولا يكون موضع عبادة، وقد يكون ذلك جواباً سليماً، أو هو جزء من جواب صحيح، والجزء الثاني أن يكون قبره قريباً من مسجده؛ وأن يكون قبره معروفاً غير مجهول؛ فإنه لو دفن بالبقيع في الصحراء فقد يجهل موضعه، ويكون بعيداً عن مسجده أما إذا دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها، فإنه يكون قريباً من مهيط الوحي، ومبعث الدعوة؛ ومكان التنزيل.
وبعد فإنا نخالف ابن تيمية في منعه التبرك بزيارة قبر الرسول والمناجاة عنده، وعدم الندب إليها، وإن التبرك الذي نريده ليس هو العبادة أو التقرب إلى الله بالمكان، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار. الاستبصار. أي امرئ مسلم علم حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وهدايته. وغزواته، وجهاده، ثم يذهب إلى المدينة، ولا يحس بأنه في هذا المكان كان يسير الرسول، ويدعو ويعمل، ويدبر ويجاهد؛ أو لا يعتبر ولا يستبصر، أو لا يحس بروحانية الإسلام، وعبقرية النبي الأمين أو لا تهز أعطافه محبة الله ورسوله، والأخذ بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه إلا من أعرض عن ذكر الله، ولم يكن من أولي الأبصار، إن الزيارة إلى قبر الرسول هي الذكرى والاعتبار؛ والهدى والاستبصار، والدعاء عند القبر، دعاء القلب خاشع؛ والعقل خاضع؛ والنفس مخلصة، والوجدان مستيقظ، وإن ذلك أبرك الدعاء.
328