327

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

الوحدانية استشعار لحقيقتها، وتقديس لمعناها؛ فإن التقديس الذي يتصل بالرسل إنما هو من فكرتهم، وهدايتهم فالتقديس لمحمد تقديس للمعاني التي دعا إليها وحث عليها؛ وكيف يتصور من مؤمن يعرف حقيقة الدعوة المحمدية أنه يكون مستشعراً لأي معنى من معاني الوثنية؛ وهو يستعبر العبر، ويستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة والروضة المنيفة.

وإذا كان خوف ابن تيمية من أن يؤدي ذلك إلى الوثنية بمضي الأعصار والدهور، فإنه خوف في غير محله؛ لأن الناس كانوا يزورون قبر الرسول إلى أول القرن الثامن، ثم بتوالي العصور من بعده إلى يومنا هذا. ومع ذلك لم ينظر أحد إليه نظرة عبادة، أو وثنية؛ نعم تفرط من العامة عبارات كالتوسل بجاهه، أو الاستشفاع بشفاعته وهي عبارات لا وثنية فيها، بل تؤول بأقرب تأويلاتها؛ ويفهم الجاهلون، ولا تمنع تلك الذكريات العطرة لأجل عبارات من العوام يحسن إرشادهم لا منعهم من الزيارة، وتفهيمهم لا تكفيرهم، وإن الله سبحانه قد صان التوحيد إلى يوم القيامة؛ وقد ذكر ذلك محمد صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، وبشر به المؤمنين؛ وهو أن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرض العرب، فليس لابن تيمية أن يخاف على التوحيد من بعد.

٣٣٤- وإن الآثار عن السلف الصالح تثبت أنهم رضي الله عنهم كانوا يتبركون بزيارة قبره الشريف، ولم يجدوا فيه وثنية ولا ما يشبهها. ألم يكن الشيخان الجليلان أبو بكر وعمر حريصين على أن يدفنا بجوار جثمانه الكريم صلى الله عليه وسلم ولم يريا في ذلك الحرص وثنية أو ما يشبه الوثنية.

ولقد روى ابن تيمية رضي الله عنه أن السلف الصالح رضوان الله تبارك وتعالى عليهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم كلما مروا على الروضة الشريفة، قال نافع كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر، فيقول السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ورؤي واضعاً يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه.

326