310

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

وينبني على هذا أن الله لا يوصف بأنه فاعل للمعاصي؛ بل الذي يوصف بها من تعلقت به مريداً مختاراً بما خلقه الله فيه؛ لأن الله لا يوصف بمخلوقاته؛ بل يوصف بها من تعلقت به ((فإذا كان الله قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة أو طعماً مراً أو صورة قبيحة، ونحو ذلك لم يكن هو متصفاً بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة))(١).

٣١٦- ونبين رأي ابن تيمية جلياً في هذا المقام بما قرره تلميذه ووارث علمه ابن القيم رضي الله عنه، فقد قال:

الصواب في هذه المسألة أن يقال: ((تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله سبحانه وتعالى إذا أراد فعل العبد خلق الله القدرة والداعي إلى فعله، ويضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة المسبب إلى سببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين، قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر، وهي جزء سبب؛ وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير والتعبير عن هذا المعنى بمقدور بين قادرين تعبير فاسد وتلبيس. فإنه يوهم أنهما متكافئان في القدرة كما نقول هذا الثوب بين رجلين، وهذه الدار بين الشريكين، إنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبب بسببه، والسبب والمسبب والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة، ولا تعطل قدرة الرب سبحانه وتعالى عن شمولها وكمالها وتناولها لكل شيء، وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له، وهو أثر قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله سبحانه وتعالى، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له))(٢).

(١) مجموعة الرسائل والمسائل ج ٥ ص ١٤٦

(٢) راجع في هذا كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل وكتاب تاريخ الجدل للؤلم ص ١٩٦.

309