302

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Daabacaha

دار الفكر العربي

وقد سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه شيخ في مرجعه من صفين عن القضاء والقدر وأعمال الإنسان معهما، وكيف يكون العبد طائعاً يستحق الثواب، أو يكون عاصياً يستحق العقاب، والقدر قد ساقه إلى ما صنع خيراً كان أو شراً. وقد أجابه علي رضي الله عنه بما يزيل الشبهة، ثم قال في آخر إجابته: "إن الله أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلف تيسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار (١)".

٣٠٧- ولما اتسع نطاق الدراسات الفلسفية والعقلية بين المسلمين، وقامت الفرق الإسلامية، وجد من بينهم في العصر الأموي من قرر أن الإنسان مجبور في أفعاله وأقواله، وعلى رأس هذا الفريق الجهم بن صفوان، فقد نفى هو ومن أتبعه عن الإنسان الاختيار نفياً مطلقاً، وقد بينا ذلك عند الكلام في الجهمية فارجع إليه.

وكان بجوار هؤلاء من قرر أن الإنسان له إرادة مطلقة، واختيار مطلق فيما يفعل حتى يتحقق العدل الإلهي في العقاب والثواب، وتتحقق المسئوليات في الدنيا والتبعات؛ وتتحقق معاني الشرائع والتكليفات، وقالوا إن ذلك بقوة مودعة في نفس الإنسان خلقها الله سبحانه وتعالى فيه، على رأس هؤلاء غيلان الدمشقي، ونهج منهجه المعتزلة، وقد عدوه في طبقاتهم، وعلى أي حال فقد حمل لواء ذلك المذهب المعتزلة، وجعلوه عنصراً لازماً للأصل الرابع من أصولهم، وهو العدل من الله سبحانه وتعالى في الثواب والعقاب.

ولقد جاء بعد ذلك الأشاعرة، فلم يرتضوا منهاج الفريقين، وسلكوا مسلكاً وسطاً بينهما، فقرروا كما قرر الجهمية أن الله سبحانه وتعالى يخلق الأشياء، وكل شيء يخلقه سبحانه، ولكن الإنسان يكتسب خلق الله تعالى باختياره، فالفعل فعل الله،

(١) المناقشة كلها في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وفي كتاب تاريخ الجدل للمؤلف ص ١١٠.

301