383

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ولقد حمل ابن تيمية وتلاميذه علم الاجتهاد المطلق في عصر الظلمات، أو في عصر التقليد المطلق ودعوا إليه، وساروا في الطليعة، وقد يتساءل الباحث لم كان دعاة الحرية في الدراسة الفقهية من ذلك المذهب الأثري؟

إن الجواب عن ذلك مشتق من المذهب نفسه؛ ذلك بأن الإمام أحمد كان فتاويه تعتمد على فتاوى الصحابة بالاتباع أو المشاكلة، وتعتمد على أقضية الرسول صلوات وسلامه عليه بالاتباع المطلق، والمشاكلة بالتخريج عليها؛ فكان على المستبحر في ذلك المذهب الجليل، ولو كان مقلداً تقليداً مطلقاً أن يطلع على مصادره، وهي فتاوى الصحابة وأقضيتهم، وقضاء النبي ﷺ، وأقواله وأفعاله وهو في هذا يحلق في جو الفقه النبوي، فيستولي عليه نوره، ويقبس منه قبسة محمدية فيرى أقوال المجتهدين على حقيقتها بضوئها، فيراها مخالفة أو موافقة لما شاهده في السنة، وقد أشربت أرواحهم بها إذ دنوا منها، فاجتهدوا على ضوئها غير مجانبين طريقة إمامهم، ولا خارجين عليه، فإن خالفوه في بعض ما استنبط، فقد اتبعوه في مسالكه في الاستدلال

أما غير اتباع أحمد كالحنفية مثلاً، فإنهم إذا اتجهوا إلى مسالك الإمام رحمه الله، وجدوا طائفة من الأقيسة والاستحسانات وعملاً عقلياً محكماً في ضبط الأقيسة والتفريع عليها، فكانوا تحت تأثير سلطان الإمام الفكري، فكان تخلصهم بما فرع واستنبط، ومخالفتهم فيه لا تتوافر دواعيها، لأنهم لم يحلقوا في غير فقهه وتفكيره، ولذلك تجد الدعوة إلى الاجتهاد المطلق تنادي بها الحنابلة، ثم تنادي المالكيون بضرورة الاجتهاد، ولو مقيداً في كل العصور، وكثر الدعاة من هذين المذهبين اللذين يعتمدان على فتاوى الصحابة ومناهج الصحابة في الاستنباط، وإن أكثر المالكيون من الرأي، وقلت أو ندرت الدعوة إلى الاجتهاد ولو مقيداً في المذهبين الحنفي والشافعي؛ بل إن الدعوى إلى التقليد والاستمساك بها كانت في أصلها من بين أتباع هذين الإمامين.

٢٦٨- كانت جهود الحنابلة في خدمة ذلك المذهب والتخريج فيه وعليه لتنميته

382