Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
لكن ذلك يسير بالنسبة إلى مالم يعلم حاله منها، ونحن لا يصح لنا أن نجزم بمذهب إمام، حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موته ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد، والتصحيح الذي فيه؛ إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده، كان حامد، والقاضي، وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي رحمة الله عليهم أجمعين، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لمذهب أحمد، كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعاً، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم، ويصحح منها ما أدى اجتهاده إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل بذلك وأفتى. وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني حرسه الله تعالى، فإنه لا يتوقف في الفتيا على ما صححه الأصحاب من المذهب، بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده، فتكون هذه خاصة بمذهب أحمد))
٢٦٧- وترى من هذا أن تصحيح الأقدمين لأقوال الإمام أحمد، والأوجه التي تنتسب إليه، والتي لا تنتسب لم يقيد كل المتأخرين أنفسهم بهذه التصحيحات، بل فتحوا لأنفسهم باب الترجيح والتصحيح والتخريج، وبذلك استمر نماء المذهب الحنبلي، ولقد فتح ابن تيمية وتلاميذه ذلك الفتح، ولم يكتفوا به، بل أنهم فتحوا باب الاجتهاد المطلق، وإن كان منتسباً لمذهب أحمد، فترى ابن تيمية وتلاميذه يخرجون ويفتون، ويجتهدون مطلقين، غير مقيدين إلا بالأدلة والأصول التي قيد الإمام أحمد نفسه في استنباطهم، فذهبوا إلى المعين الأصلي الذين استقى الإمام أحمد منه فتاويه، واستقوا منه، ووصلوا إلى نتائج تعد جديدة في الفقه الذي انتهى إليه الأئمة الأربعة، ولابن تيمية في ذلك الكثير، فهو قد أفتى بأن الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق المعلق إذا قصد به الحلف لا يقع به شيء، وقرر ابن القيم أن طلاق الغضبان لا يقع، وهكذا تجد الكثير الذي انفرد ابن تيمية وتلاميذه عن المذاهب الأربعة.
381