يبيع سلعة حتى يبيع مقدارًا معينًا. وتفصيل هذه المسائل ليس هذا موضعه.
إذا تبين ذلك: فالذي يضمن كلفة من المكلف على أن لا يبيع السلعة إلا هو، ويبيعها بما يختار لا ريب أنه من جنس ظلم الكلف السلطانية من الوجهين اللذين تقدما، ولهذا كره من كره معاملة هذا لأجل الشبهة التي في ماله، فإنه إذا كان لا يبيع إلا هو بما يختار صار كأنه يكره الناس على الشراء منه بما يختاره، فيأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم، وتلك الشبهة قد اختلطت بماله، فيصير في ماله شبهة من هذا الوجه، فلهذا كره من كره معاملتهم. وهذا سبيل أهل الورع الذين لا يأكلون من الشواء المضمن، ونحو ذلك: فإنهم إنما تورعوا عما كانوا بهذه المثابة، وهو أن يكون بحيث لا يشوى إلا هو، ولا يبيع الشواء إلاّ هو بما يختاره، ولا يبيع الملح إلاّ هو بما يختاره، والملح ليست كغيرها، فإنّ الملح في الأصل هو من المباحات التي يشترك فيها المسلمون، كالسمك وغيره من المباحات، إذا لم يمكن من أخذها إلاّ واحد بضمان عليه، والذي يشتريها منه بماله لا يحرم؛ لأن هذا المشتري لم يظلم فيه أحداً؛ بل لو أخذها من الأصل كان له ذلك، ولو استأجر هذا أو غيره ليأخذها له من موضعها المشترك كان ذلك جائزاً، ولو كانت مشتركة بين المسلمين لكانت تكون أرخص، وكان المشتري يأخذها بدون ما أعطاه الضامن، فهذا الضامن يظلم المشتري وغيره.
وأما المشترون منه فهم لا يظلمون أحدًا، ولم يشتروا منه شيئًا ملکه بماله، فإنما حرم عليه من الظلم من ترك ملكه لا يفوته ولم يظلم فيه أحدًا؛ لأنها في الأصل مباحة، والمسلمون الذين يشترونها هم المظلومون، فإنه لولا الظلم لتمكنوا من أخذها بدون الثمن، فإذا ظلموا وأخذ منهم أكثر مما عليهم لم يكن ذلك محرمًا عليهم لما كان مباحًا لهم، إذ الظلم إنما يوجب التحريم على الظالم لا على المظلوم.
مسألة هامة:
ألا ترى أن المدلس والغاش ونحوهما إذا باعوا غيرهم شيئًا مدلسًا لم يكن ما يشتريه حرامًا عليه، لأنه أخذ منه أكثر مما يجب عليه، وإن كانت
372