ولم يزلِ الناسُ في كلِّ عصرٍ من الصحابةِ والتَّابعينَ فمَنْ بعدهم يُصلِّي بعضُهم خلفَ بعضٍ مع اختلافِهم في فروعٍ كثيرةٍ في الوضوءِ والغُسلِ والصَّلاةِ وغيرِ ذلك، وهو إجماعٌ عمليٌّ لم يكنْ بينهم فيه خلافٌ أبداً في الصَّدر الأوَّلِ، وهمْ خيرُ القرونِ من هذه الأمَّةِ.
وهذِهِ الصُّورةُ المسؤولُ عنها لا ريبَ عندَ كلِّ عاقلٍ في أنَّها تشوّشُ الصلاةَ على الناسِ في كلِّ جانبٍ من جوانبِ المسجدِ الأقصى ومؤخَّرِهِ، بحيثُ لا يصحُّ لهم الاقتداءُ غالباً كما ذُكِرَ في السؤال، ويؤدِّي إلى تفريقِ الكلمة وإثارةِ الفِتَنِ، واتّباع الهوى، والعصبيةِ بينَ العوامِّ، وحصولِ الشكّ في قلوبِ [ز: ٦١ / ب] كثيرٍ من ضعفائِهم فلا يجوزُ إحداثُها ولا السعيُ فيها ولا الإعانةُ عليها، ويَجبُ على أولياءِ الأمرِ - أَيَّدَهم اللهُ تعالى - المساعدةُ على المنع منها، وكفِّ يدِ السَّاعي فيها، وردعِهِ بما يُزْجَرُ(١) به من التأديبِ، ويُثابونَ على ذلكَ إذا قَصَدوا به وجه الله تعالى، والله أعلم.
وكتب تحته بالموافقة القاضي صدر الدين ابن الخابوري(٢)،
(١) في ((ظ)): ((ينزجر)).
(٢) هو: محمد بن أبي بكر بن عياش، صدر الدين، المعروف بابن الخابوري، مفتي طرابلس وخطيبها، ولد في حدود سنة (٧٠٠هـ)، واعتنى بالفقه، ودرس وأفاد، وولي قضاء صفد وطرابلس، وسمع منه العراقي وغيره، وكان مشاركاً في علوم عدة، وكان الطلبة يقصدونه ليأذن لهم في الإفتاء، توفي في طرابلس وهو عالمها سنة (٧٦٩هـ). ينظر: ((الدرر الكامنة)) (١٤٤/٥)، و((شذرات الذهب)) (٦ /٢١٦).