Doroos Al-Sheikh Hassan Abu Al-Ashbal
دروس الشيخ حسن أبو الأشبال
جوامع العشرة
وجوامع العشرة قول ابن الحسن الوراق وقد سأل أبا عثمان عن الصحبة، قال: هي مع الله تعالى بالأدب، أي: حسن الصحبة مع الله ﷿ أن تتأدب معه ﷿ وتعرف ما له عليك.
ومع الرسول عليه الصلاة السلام بملازمة العلم واتباع السنة.
وأنت إذا نظرت إلى الصحبة مع الله ﷿ تجد الكثير جدًا من الأمة لا يحسنون صحبة الله ﷿؛ لأن الكل يسخر بالله وبأسمائه وصفاته وكتابه وأنبيائه ورسله، ويكتبون سخريتهم على صفحات الجرائد والمجلات، ويسخرون أيضًا بأهل العلم والفضل، وحسبنا أن الكلمة النافعة تمكث في الأرض وتبقى ويكون لها الجذور، وينتفع بها من وفقه الله ﷿ للخير، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، وقد ضرب الله ﷿ للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة مثلًا بالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة، فهذه تثمر وتورق، ويعم خيرها بخلاف الأخرى، وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا للمسلم بالشجرة الطيبة، فقال: إن مثل المسلم مثل شجرة، فضرب الناس في أشجار البوادي؛ لأن النبي ﷺ قال: ما هي؟ قال عبد الله بن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة -لأنها تثمر رطبًا وبلحًا، وتغذي أصحابها وطالبيها-، ولكن منعه أن يتكلم صغر سنه، فلما أخبر بذلك أباه، قال: لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من الدنيا وما فيها.
فالمرء يحب لولده الخير أكثر مما يحبه لنفسه.
ولو نظرنا إلى التأدب مع الله ﷿ في هذا الزمان لوجدنا أمرًا عجبًا جدًا، والأعجب منه أنه يسب الله تعالى، ويسب كلامه ويعترض على الله ﷿ في كل آية، وعلى النبي ﷺ في كل حديث، ويدعي من يفعل ذلك أنه مسلم، وهذا أمر محير؛ إذ كيف يكون مسلمًا وهو يرد على الله ﷿ معظم كلامه، ولا يتعامل مع أحاديث النبي ﷺ إلا من منطلق ضحالة عقله، فما وافق العقل أخذه وما خالفه رده؟ فهو ينسب العيب لدين الله ﷿ ولشرعه ولا ينسبه لنفسه أبدًا، فكيف يكون هذا إيمان ودين؟! فالأدب مع الله في هذا الزمان قليل، بل هو أقل من القليل، فكل يوم يظهر شخص يسب النبي ﷺ، ويسب الله ﷿ ويسب الدين، وفي هذا الوقت أصبح سب الإله بين أطفال المسلمين مثل مضغ اللبانة، وحتى في مجتمعات الكفر لا تجد سب الدين إلا من المسلمين أيضًا، وحتى الكفار أنفسهم لا يسبون الدين، ولم يعهد ذلك إلا في بلاد المسلمين وخاصة في مصر.
فحسن الصحبة مع الله ﷿ هي بالتأدب معه ﷿، والتأدب مع كلامه، ومع أسمائه وصفاته وأفعاله ﷾.
والتأدب مع النبي ﵊ بملازمة العلم واتباع السنة، والخطاب بالسنة إذا كنت طالب علم.
ومع الأولياء بالاحترام والخدمة، ولذلك قال النبي ﵊: (من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)، يعني: من آذى وليًا من أولياء الله ﷿ فبدلًا من أن تكون الحرب بينه وبين ذلك الولي تنتقل مباشرة إلى حرب بين الله تعالى وبين هذا الذي آذى عباد الله وأولياءه، ومن يطيق محاربة الله له؟ فالخلق بأسرهم أضعف من أن يدخلوا مع الله ﷿ في كيد أو في حرب.
وكذلك مع الإخوان بالبشر والانبساط وترك وجوه الإنكار عليهم، أي: ترك الإنكار عليهم في كل صغيرة وكبيرة، إنما تنكر عليهم ما لا يسعك السكوت عنه، ولم يكن فيه خرق شريعة أو هتك حرمة، كما قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩].
والصحبة مع الجهال بالنظر إليهم بعين الرحمة، فالجاهل إذا وقع في معصية بجهله فإنه يحتاج إلى صبر، والكلام هذا يلزمنا نحن أكثر مما يلزم العوام؛ لأننا نقابل هؤلاء الجهال، وهم لا علم لهم، بل ولا خلاق لهم، فمثلًا الرجل الذي دخل المسجد فبال فيه، لو تصورنا أن شخصًا جاء الآن وبال على جدار المسجد من الخارج من جهة الشارع فإننا سنقوم عليه قومة رجل واحد، فإما أن ينجو إن قدر على الهرب وإما أن يهلك، وكل واحد سيجد لفعله مسوغًا بأنه بال على بيت من بيوت الله، وهناك من سيقول له: يا كافر! وآخر سيقول له: يا فاسق! وثالث سيقول له: يا جاهل! فالرجل دخل المسجد فبال فيه قائمًا، والصحابة فعلوا مثل ما كنا سنفعل نحن بالضبط، فقد قاموا عليه قومة رجل واحد، فقال النبي ﷺ: (لا تزرموه)، أي: لا أحد يفزعه، والرجل واقف يبول ولم يمنعه حتى الحياء، وبعد أن فرغ من بوله أتى وسأل: أين محمد؟ وهذه جلافة وسقطة ثانية، قال: ها أناذا، قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا أبدًا.
وهذه سقطة ثالثة، والنبي ﷺ رد على هذه فقط، فقال: (لقد حجرت واسعًا).
فرحمة ربنا وسعت كل شيء، فالناس الذين آمنوا أين ستأتي بهم؟ يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: والحكمة النبوية اقتضت هذا؛ فلو أنهم قاموا وأزرموه وفجع
24 / 24