498

Badr Munir

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فصل وكلما أخبر الله تعالى بأنه لا نهاية له أو أنه محال لا يتصور وجب اعتقاده كذلك، ومن لم يعتقده لذلك كفر إجماعا لمخالفته لله تعالى، والمخالف له تعالى كاذب وقائل غير الواقع إجماعا، ومن ادعى علم ما لا يعلمه الله تعالى أو ادعى وجود ذلك فقد قال بالمحال والزور والبهتان وكفر إجماعا، ولذا قال الله تعالى منكرا على اليهود ما قالوا من أن الأنبياء كانوا هودا أو نصارى كونه تعالى لا يعذبهم إلا أياما معدودة: {قل أأنتم أعلم أم الله}(1) وقال تعالى: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} وكذلك من ادعى من علم الغيب غير ما علمه الله تعالى على لسان رسله وأنبيائه -عليهم وآلهم السلام- وغير ما أخذه من ذلك من منطوق ومفهوم وعموم وخصوص فقد قال الكذب والزور وكفر إجماعا لقوله تعالى: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء}(2) يعني تعالى لا يطلعكم غير الأنبياء على شيء من علم الغيب بأن يوحي إليكم بشيء منه {ولكن الله يجتبي} يختار تعالى لعلم ما أراد تعالى من الغيب، يختار لذلك من رسله من يشاء فيبلغون ما أمرهم تعالى تبليغه إليهم من المكلفين على حسب ما تحتاجون في تفصيل الشكر، وقال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم}(3) كرسيه تعالى علمه {ولا يؤوده حفظهما} يعني تعالى حفظ السموات والأرض لا يؤوده تعالى لا يثقله تعالى {حفظهما} من الفساد والنقصان والذهاب والزوال وإقلالهما في الهوى وعلى متن أمواج الماء والماء في الهواء من غير عمد، والهواء والماء لا يمسكان حبة الخردل ولا صغير الحجر كالحصى، ولا تمسك الهواء قطرة الماء ولا حبة الخردل إذا الفساد فيه وهما ممسكتان بقدرته تعالى وتبارك، وليس قدرته تعالى غير ذاته، وهو القادر على ما يشاء.

فأما الرؤيا فهي وحي لكن لا تكون ابتداء شرع إجماعا إلا بحق الأنبياء -عليهم السلام وآلهم- وقال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول}(1) والتنوير يتفاضل أهل العلم فيه في أخذ الأحكام من الكتاب والسنة وباجتهاداتهم في ذلك لا في شيء جديد ليس له أصل من ذلك، فلا يحل ولا يكون لما ذكرنا، وفي تفاضلهم في ذلك يقول الله تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم}.

Bogga 287