Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل في أشياء من المخلوقات الله يعلم أنها لا تفنى بعد أن خلقها تعالى أول مرة، فتلك الجنة والنار بعد أن خلقهما تعالى لا يفنيان ولا ينقطعان، ولا نهاية لهما أبدا، ولا حد لهما ينتهيان إليه يسمى آخرهما بعد أن خلقهما تعالى أول مرة، وذلك لأن حياة أهلهما بعد الدنيا وموتة القبر لا يقطعهما الله تعالى أبدا، ولا غاية لها، قال تعالى في أهل الجنة: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}(1) وقال تعالى في أهل النار: {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ}(2) وقال تعالى: {وما هم عنها بغائبين}(3) يعني تعالى بعد الوقوع فيها، وقال تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}(4) وقال تعالى: {وما هم بخارجين من النار}(5) فلو كان للجنة والنار نهاية لكان لأهلهما خروج منهما بتلك النهاية، وقد أخبر الله تعالى في خبر أهل القطع أن أهل كل واحدة منها لا يفارقونها أبدا، ولا يموتون أبدا، وأخبر تعالى أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي بعد أن خلقها تعالى وأدخلهم إياها، وأن عذاب أهل النار لا ينقطع بعد خلقه تعالى لسببه من النار وإيقاعه تعالى لأهلها فيها، ووقوع أجله فيه، فقال تعالى ما تقدم من الأدلة، وقال تعالى: {فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد}(6) وقال تعالى في أهل الجنة وأنه لا نهاية لنعيمهم بعد أن خلقه تعالى ودخولهم فيه: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}(1) وقال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون}(2) أي: غير مقطوع، والمن في اللغة: القطع، ويقال: منا للقطعة من الشيء، وأخبر تعالى على القطع بأن الجنة ونعيمها دائم بعد أن خلقها تعالى فقال تعالى: [126ب] {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار}(3) وقال تعالى مخبرا على القطع أن أهل الجنة لا يخرجون منها ولا يفارقون نعيمها لحظة بعد دخولهم فيها: {إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}(4) فلا نهاية لحياتهم ولا لما هم فيه من النعيم، لأنه لو كان له نهاية لعلمها تعالى وما لا يعلمه لا يتصور وجوده قطعا لما قال تعالى: {وما هم منها بمخرجين} إذ لو كان ثم نهاية لها لخرجوا منها -تعالى الله عن الكذب علوا كبيرا- فهو تعالى لا يكذب -تعالى عن الكذب علوا كبيرا- قال تعالى: {ومن أصدق من الله قيلا}(5) وفي هذه الأدلة أعني قوله تعالى في الجنة والنار بالاستمرار بعد أن خلقهما تعالى دلالة على أنهما لم قد يخلقا في أيام الدنيا -أعني الجنة والنار- لأنهما لو كانتا قد خلقتا لهلكتا؛ لأنهما لو كانا قد خلقتا من جملة الأشياء الهالكة، وقد قال تعالى في صفة الجنة: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} وقال تعالى: {عطاء غير مجذوذ} وقال تعالى: {فلهم أجر غير ممنون} أي غير مقطوع، وقال تعالى مخبرا أن كل شيء مخلوق في الدنيا غير الآخرة فهو معدود للفناء فقال تعالى في ذلك: {كل شيء هالك إلا وجهه} يعني تعالى إلا ذاته تعالى، واستثنى تعالى وجهه يعني: ذاته تعالى أنه تعالى لا يجري عليه تعالى الهلاك، وهو تعالى غير مخلوق لكن لعموم قوله تعالى: {كل شيء هالك} وهو تعالى شيء، وذلك لأنه تعالى موجود قبل كل شيء، مستمر الوجود قطعا لا يصح عليه تعالى العدم ولا الفناء، فاستثنى نفسه تعالى لما كان تعالى شيئا موجودا، ولم يستثني تعالى شيئا من مخلوقات الآخرة لأنهم لم يكونوا في ذلك الوقت وقت الهلاك إلا عدما، والعدم هو لا شيء، فلما كان مخلوقات الآخرة معدومين لم يستثنهم تعالى؛ لأن المخلوق قبل خلقه لا يكون شيئا، فلو كانت الجنة والنار قد خلقهما تعالى ووجدتا، وقد أخبر تعالى أنهما لا ينقطعان لاستثناهما تعالى في الباقين كما استثنى نفسه لما كان تعالى شيئا موجودا، فلما لم يستثنهما تعالى عرفنا بذلك أنهما لم قد يخلقا وهذا هو قول الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام وأكثر العترة عليهم السلام محتجين بهذه الأدلة، وهذا هو الصحيح عندنا لما ذكرنا، وقال قوم: بل قد خلقتا لنا ما تقدم من قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى في بقاء الجنة: {أكلها دائم وظلها} وفي النار ما تقدم أن أهلها لا يفارقون عذابها بعد وجودها ودخولهم فيها، ولا يحتاج للإعداد إلا من يتروى ويتفكر والله سبحانه عالم قادر على إيجاد الشيء وقت العمل به على الفور تبارك وتعالى.
قالوا: قال تعالى: {أعدت للكافرين} وفي الجنة: {أعدت للمتقين}.
قلنا: أعدت في علم الله تعالى، ليس أنها قد وجدت لما تقدم من الدليل .
وقال قوم: يجوز ويجوز.
قلنا: صريح الأدلة خلاف الجواز لأن الحصر والاستثناء لا عموم معهما لصح خصوصه إلا بذلك الاستثناء المتصل لا غير؛ لأنه لو كان غير المستثنى خارج من حكم [المستثنى منه لذكر في الاستثناء المتصل فبقى العام بعد الاستثناء منه قطعيا في غير المستثنى من المعاني قطعا وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))(1) فثبتت الإمامة قطعا إجماعا في اللغة والشرع لا ينكر ذلك عقل عاقل.
Bogga 285