Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
أما وجه وجوب الواجبات كلها فلكونها شكر الله تعالى الذي أنعم على المكلف البالغ العاقل بإيجاده تعالى له بعد أن كان عدما وبجعله حيوانا بعد أن كان ترابا وماء مهينا نطفة ضعيفة من أضعف الماء، أو بجعله عاقلا بعد أن كان مثل سائر الأنعام، وبجعله قادرا بعد أن كان عاجزا، وبجعله عالما بعد أن كان جاهلا، وبجعله في أحسن صورة بعد أن كان لا صورة له حسنة، وبفرقه تعالى بينه وبين سائر الحيوانات البهائم والطير بالعقل، وأحسن التقويم باعتدال الخلقة والاستقامة، وبحفظه تعالى إياه من جميع الآفات قال تعالى في ذلك: {قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون}(1) {من يكلؤكم} من يحفظكم مما تستحقون بتفريطكم ومن كل ما تخافون من القوارس، كالأحناش، والحيات، والعقارب، والسباع، وشياطين الإنس والجن {بالليل} حين تنامون كالموتى، وبالنهار حين تنصرفون وتتقلبون في فضله تعالى، فمن يحفظكم عن هذه الأشياء التي لا عقل فيها ولا دين في بعضها يكفه عنكم {من الرحمن} أي: أمر منه تعالى حفظكم من هذه الأشياء ومما يريده هو تعالى بكم لولا كلمة سبقت منه تعالى بتأخير معاجلة عقاب الآخرة من معاجلة العذاب لإصراركم على المعاصي، وإعراضكم عن الطاعات إلا هو تعالى حفظكم ومنعها منكم بذاته تعالى، وحفظكم عنها بحفظه الذي لا يرام، ومنعها عنكم بمنعه الذي لا يضام، وأمهلكم عن تعجيل العقوبة بالإصرار على جميع الإجرام، ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بعنادهم ليذكر نعمة الله وفعل شكرها بعد معرفتهم لمنته تعالى عليهم بما ركب تعالى فيهم من العقول فقال تعالى في ذلك: {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} يعني تعالى مع هذه النعمة كلها أعرضوا عن إعطائها حقها من ذكره تعالى شكره تعالى، وقال تعالى في ذلك: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} يعني تعالى يعرفون نعمته تعالى، ثم تقضي عقولهم عليهم بوجوب شكره تعالى عليها على ما يريد الله تعالى المنعم بها عليهم {ثم ينكرونها} لا يشكرونه تعالى عليها لما فرض تعالى عليهم {وأكثرهم الكافرون} به تعالى الجاحدون لكون النعمة منه تعالى بعد معرفتهم أنه تعالى المنعم فيعاندون ما عرفوا فيجحدون مع العلم وذلك كفر إجماعا، وبعضهم لا يجحد وهو الأقل في ذلك الوقت ولكن يترك الواجبات تمردا، فلا يخرج إلى الكفر بذلك، فقال تعالى: {وأكثرهم} ليخرج تعالى المتمرد غير المستحل، فإنه لا يكفر إذا كان قد أسلم والتزم أحكام الإسلام قبل ذلك وإلا فهو كافر إلا تمردا إجماعا، وقال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}(1) قبل ذلك ولو لم يجحد النعمة {إن الإنسان لظلوم كفار}(2) وقال تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره * من أي شيء خلقه* من نطفة خلقه فقدره* ثم السبيل يسره* ثم أماته فأقبره* ثم إذا شاء أنشره* كلا لما يقض ما أمره* فلينظر الإنسان إلى طعامه* أنا صببنا الماء صبا* ثم شققنا الأرض شقا* فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا* وزيتونا ونخلا* وحدائق غلبا* وفاكهة وأبا* متاعا لكم ولأنعاكم}(3) فانظر بعقلك أيها الغافل كيف ذكر تعالى في هذه الآية حصول النعم من خلق الإنسان سويا وتيسيره تعالى له أي: بتصييره وله تعالى سبيل الخير والشر ليحذر الشر ويفعل الخير بما ركب تعالى فيه من العقل والقدرة، [125ب] وتعليمه تعالى له كيفية شكره تعالى، وإخراجه تعالى طعامه من العدم إلى الوجود لحاجة العبد على الصفة التي ذكرها تعالى، وإخراجه تعالى طعام البهائم وإيجاده تعالى لها بحاجة المكلف ونحوه، وإيجاده تعالى ما تحتاج إليه هي، وإكرامه تعالى للإنسان بالقبر، ونشره تعالى له للجزاء، وكذلك أيضا سائر الحيوانات يحييها تعالى للعوض الذي لا ينقطع لكن لا بعد القبر والإكرام، فذكر تعالى هذه النعمة لينظر العبد فيها فيقضي عقله بوجوب الشكر عليها، والاعتراف بعدم مماثلة فاعلها تعالى للخلق الضعيف المحدود المحتاج الحفيف.
Bogga 278