Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وكذلك اليهود والنصارى لم نجد أصل كفرهم وشركهم إلا معصيتهم لله في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو أطاعوا الله في محمد والتصديق بما جاء به من عند الله ولو كانوا مؤمنين، فثبت عليهم الشرك بمعصية الله بترك طاعتهم لمحمد وهم بالله مقرون، وله فيما أمر به عاصون، فلما عصوه في أمره كانوا عنده كافرين وفي حكمه فاسقين، وكذلك من ينتحل اسم الإسلام والإيمان وهو مقيم لله سبحانه على كبائر العصيان، فحاله عندنا كحال من ذكرنا من العاصين، وإن كان لمحمد من المقرين فهو مقر بلسانه، جاحد بفعله عن الله، معرض بقلبه، وقد أبى الله عز وجل أن يكون من كان كذلك أو على شيء من ذلك مؤمنا حتى يقيم شرائع الإيمان بفعله، ويصحح القول بعمله، وفي ذلك ما يقول الله تبارك وتعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}(1) فدل بقوله إنما المؤمنون الذين آمنوا وفعلوا على أن من لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين، ومن لم يكن من المؤمنين فليس من المتقين، ومن لم يكن من المؤمنين المتقين فهو من الكافرين والفاسقين، وفي ذلك ما يروى عن علي عليه السلام أنه قال: الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول. وقال الله سبحانه: {إنما المؤمنون إخوة} والمؤمن العامل بطاعة الله أخ للملائكة المعصومين والأنبياء المعصومين بإيمانه الذي هو الإتيان بالواجب واجتناب القبيح مع التوبة، وحاشا الملائكة والأنبياء أن يكونوا إخوة لمن هتك حرمات الله من قتل النفوس المحرمة بغير الحق، ومن قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، ومن أهل الربا، وشرب الخمر، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، وكشف العورات بين الناس لغير ضرورة [122أ] ولا حاجة، لا نقول بإيمان من هذه صفته، وأنه أخ لأولياء الله مستحق للمدح بالشهادتين والإقرار بالبعث والحساب وجملة التوحيد مصححة بأدلتها مع فعله هذه الكبائر لا نقول بإيمانه مع هذه الكبائر مسلم، ولو أقر ووحد كما ذكرنا فضلا عن أن يكذب على الله تعالى وعلى رسوله، إن الله تعالى حكم له بالإسلام الكامل الذي هو الإيمان، بل قد سماه الله ورسوله كافرا وفاسقا وظالما؛ لأنه حكم لنفسه وعلى غيره بغير ما أنزل الله، فسماه الله كافرا، وفاسقا، وظالما بسبب ذلك، فقال تعالى فيه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}(1) وفي أخرى في الفاسق والظالم مع أن الفاسق كافر نعمة لا كافر شرك: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}(2) فسمينا من حكم بغير ما أنزل الله تعالى من المتمردين والمستحلين للكبائر بما سماهم الله تعالى، وحكمنا عليهم بما حكم الله به عليهم، وأخرجناهم بما أخرجهم الله من حد المؤمنين وصفتهم إلى صفة ضدهم، إذ لا يجتمع الضدان في محل واحد في حال واحد وقلب واحد وجسم واحد، كما لا يجتمع النقيضان، وفي هذا كفاية لمن أنصف.
Bogga 263