Badr Munir
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
فصل والخذلان -نعوذ بالله تعالى منه- هو نقيض اللطف، وهو عدم حصول الزيادة لمن خالف ما قضى به العقل الكامل وعرف تفصيل الشكر فلم يفعل بذلك وأصر على تركه استحلالا كالكافر، وتمردا كالفاسق، وفي ذلك يقول الله تعالى حاكيا عن قوم موسى -عليه وآله الصلاة والسلام- بعد قول موسى لهم ما حكى الله تعالى عنه بقوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قومي لما تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم}(1) ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بما فعله فيهم وهو لا يقصر على سببه إجماعا بعد علمهم بالحق وكمال العقل من خذلانه تعالى لهم بسلبه اللطف الزائد بسبب المخالفة بعد العلم فقال تعالى في ذلك: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين}(2) يعني تعالى: لما زاغوا عن قبول الحق {أزاغ الله قلوبهم} سلبهم زيادة التنوير والمحاسن الزائدة على العقل الكامل بزيادة سبب الامتثال {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني تعالى لا يحكم لهم بالهداية مع فسقهم؛ لأن الفسق ضد الهدى، ويقول تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}(3) يعني تعالى ومن يرد الله تعالى أن يضله أي: يحكم تعالى عليه بأنه ضال بفعله أي: المكلف ما يضل به من القبائح، ثم قال تعالى: {يجعل صدره ضيقا حرجا} يعني تعالى بتركه على حالته الأولى من العقل الكامل، ولا يفسح تعالى صدره للإسلام الكامل لعدم قبوله وفعله له في أول ما عرفه تعالى إياه ونعمته تعالى عليه {كأنما يصعد في السماء} كأنما يتطلع قلبه الذي في صدره لضيق صدره بالخذلان الحاصل بسبب المعاندة لله تعالى في السماء في الجو من شدة قلقه ونفرته عن الإسلام الكامل أو الكل، ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا [122ب] أنه يفعل للمعاندين التاركين للحق بعد كمال الحق ومعرفة الحق ذلك الخذلان فقال تعالى في ذلك: { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} لا يؤمنون بالحق لا يحفظونه بعد معرفته بالعمل به والأخذ به لهم وعليهم، بل يضيعونه، والرجس: الخذلان، فيكونون مع ذلك الخذلان الحاصل من ترك الحق بعد معرفته معاندة أبعد من الشارع بالتكليف قبل المعرفة، وذلك لما جعل الله عليه من الرجس لعنادهم، فتكون حالتهم مع ذلك الخذلان مع إمكان الإلتطاف من فعلهم ولم يفعلوه، كحالة من جعل الله تعالى صدره ضيقا حرجا لا يدخل فيه الإسلام أبدا، وبحالة من أراد الله أن يكون ضالا ثم لما كانت الحالتان يشتبهان استعار تعالى لأحدهما كلام الأخرى من الإرادة والتضييق الشديد، وقال تعالى ذلك إنما يكون ذلك ويحصل منه ما يوجب خذلانه وسلبه اللطف، ويكون مشبها بمن لا يرضى بخير أصلا وبمن كان مجبول على المعاصي وإن لم يجبل على ذلك، فقال تعالى: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} فقال تعالى رافعا لوهم من قال: أنه يخلق الكفر ويمنع من الإسلام: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} ثم قال تعالى بعد ذلك رافعا لوهم الكفار من المجبرة وغيرهم أن بعض العبيد لا يقدر على الإسلام، فقال تعالى في دفع ذلك: {وهذا صراط ربك مستقيما} يعني تعالى دينه بينا عدلا لمن أحب الدخول فيه، وكل مكلف لا يصعب عليه الدخول فيه أصلا، ثم قال تعالى بعد ذلك موضحا للبيان ومخبرا بإمكان معرفة أحكامه تعالى والدخول فيها فقال تعالى في ذلك: {قد فصلنا الآيات لقوم يتفكرون}(1) وقال تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}(2) يعني تعالى: وما كان لنفس عاقلة مكلفة أن {أن تؤمن} أن تدخل في الإيمان الدين الإسلام المرضي {إلا بإذن الله} إلا بتيسيره تعالى وجعله فيها عقلا يميز به بين الحسن والقبيح، وقدرة وتعليم كيفية الإيمان بوحي منه تعالى إلى رسله وأنبيائه عليهم السلام {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} لا يعقلون الحق لا يعونه ولا يوطنون أنفسهم على العمل به وقبوله بعد معرفتهم له، قال تعالى: {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا}(3) فيجعل تعالى بعد حصول تلك المعاندة بعد المعرفة عليهم الرجس وهو الخذلان؛ لأن سبب التنوير الزائد على حجة العقل الكامل، فيكونون في عدم معرفة الأدلة السمعية أعظم حالا في العمى لعدم العمل بما عرفوا ممن لم يعرف منها شيئا -قاتلهم الله- وقال تعالى نافيا لكونه يرضى الكفر ويشاه فقال تعالى في ذلك: {ولا يرضى لعباده الكفر}(4) وقال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}(1) وقال تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(2) وقال تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون}(3) وقال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}(4) وقال تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون}(5) وكذلك [123أ] الطبع، والختم في القرآن يتأول بالمجاز في حق الكفار والمنافقين ونسبتها لحالتهم حيث لم يهتدوا بعد البيان بالسمع ومع كمال العقل بما قد طبع الله تعالى على قلبه، وأصم تعالى سمعه، وأعجم تعالى كلامه، وأعمى تعالى عينيه، فلا ينتفع بشيء مما عرف به مع كماله في الحواس والعقول الموصلة مع استعمالها إلى معرفة الحق، والعمل عليه ظاهرا وباطنا فيهم، والله سبحانه شبه حالة بحالة وإن لم يوجد المشبه به، وذلك جار في فصيح لغة العرب وبليغها لا ينكر ذلك إلا مكابر لعقله، والقرآن نزل بلغة العرب، وكفر عن المجاز، فشبههم تعالى بأولئك الممنوعين وإن لم يوجد الممنوعون، ثم وصف تعالى أولئك المتمكنين لعنادهم بأوصاف الممنوعين، ثم أطلق تعالى التشبيه وأطلق تعالى صفات المشبه بهم من أهل الآفات في القلوب والحواس على المشبهين من سالمي القلوب والحواس المعاندين للحق مع قدرتهم على الدخول فيه بكمال عقولهم، وسلامة حواسهم، فقال تعالى فيهم كذلك ممثلا لحالتهم بحالة الممنوعين بآفات الحواس وأهل الختم والطبع على القلوب وتغطية الأبصار، فقال تعالى فيهم لذلك: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة.....الآية} وضرب تعالى لهم مثلا آخرا وتشبيها ثانيا فقال تعالى فيهم كذلك ممثلا لحالتهم ومطلقا عليهم تلك الصفات من الآفات لعنادهم مع معرفتهم للحق وقدرتهم على الدخول فيه فلم يدخلوا، فقال تعالى في ذلك كذلك: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون} يعني تعالى: مثلهم في كمال عقولهم ومعرفتهم الحق مستنورين بنور العقل ليخرجوا بذلك عن ظلمة الجهل كمثل قوم استوقدوا نارا في حندس ظلمة الليل الشديدة، فلما أصاب النار ما حوله من الأرض وتميز له طفيت النار فعادة الظلمة على حالها كذلك، فعرفوا الحق بنور العقل وأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر وهم المنافقون وبعد ذلك عاندوا، فكانوا بإبطانهم الكفر، وتستروا بكلمة الإسلام، ففضحهم الله تعالى كمن ذهب الله تعالى بنور عقله وسلبه إياه، وفضحه وعذبه، ولم ينفعه إظهار إسلامه مع إبطان خلافه، فانقطع عليه نفع إسلامه الذي لم يكن في الباطن كالظاهر كانقطاع نور النار التي خمدت، ثم أطلق تعالى عليهم اسم المشبه به فقال تعالى: {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون}(1) أي لا يرجعون إلى الحق بعد المعاندة حتى يتركوها ويتوبوا، ثم مثل تعالى حالتهم بحالة أخرى فقال تعالى: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين}(1) فمثل تعالى حالتهم حين يتلى عليهم القرآن ويعرفون تفصيل الشكر مع العقول الكاملة ثم يخالفون ويعاندون بعد ذلك حذرا وخوفا من أن يدخلوا في الدين بحالة من أصابه صيب من السماء وهو المطر الشديد الوقع، فيه ظلمات من تراكم السحاب وظلمة الليل ورعد قاصف، وبرق [123ب] لامع بتكاثر متتابع، وصواعق وهي نوع من البرق قطعة نار تحرق الجبال وتهلك ما لاقت، ثم تطفى بعد ذلك {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} من شدة صوتها لئلا تتصدع لذلك قلوبهم {حذر الموت} من صدع القلوب بالصواعق مصاحبة لتلك الأفزاع الهائلة، فحالتهم في هرب من الحق، والمبالغة في عدم سماعه مع الإمكان كحالة هؤلاء سواء سواء من غير ملج لهم إلى ذلك إلا محبة الكفر وإيثار الباطل على ما خلقوا لأجله من الحق وهم يعلمون، ثم أخبر تعالى بعد ذلك أنه لم يذهب أسماعهم ولا أبصارهم في حالات تكليفهم، وأنه لو شاء لذهب بها لقدرته تعالى عليها ليرفع وهم من قال: أنه تعالى يكلف مع سلب الحواس أو أن الحواس لا تقدر على شيء أو لا يقدر بعض الناس على الإسلام معها، فقال تعالى بعد ذلك كله: {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير}(2).
Bogga 269