في هذه الأحاديث الثلاثة "ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلًا عن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ لكن كانت تغار من خديجة أكثر وقد بينت سبب ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي ﷺ إياها ... وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة ... وقولها ﵂: "وأمره الله أن يبشرها" إلخ.
هذا من جملة أسباب الغيرة لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي ﷺ فيها ... وقولها أيضًا ﵂: "وإن كان ليذبح الشاة" إلخ، من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها، وقوله ﵊: "إنها كانت وكانت" أي: كانت فاضلة وكانت عاقلة ونحو ذلك"١.
٦- روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فغرت يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق٢، لقد أبدلك الله ﷿ بها خيرًا منها. قال: "ما أبدلني الله ﷿ خيرًا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ﷿ ولدها إذ حرمني أولاد النساء" ٣.
كلما ذكر في هذا الحديث مناقب عالية لأم المؤمنين خديجة ﵂
١ـ فتح الباري ٧/١٣٦-١٣٧.
٢ـ قال النووي: معناه: عجوز كبيرة جدًا حتى قد سقطت أسنانها من الكبر ولم يبقى لشدقها بياض شيء من الأسنان إنما بقى فيها حمرة لثاتها. قال القاضي: قال المصري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبه عليهن فيها بما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم تزجر عائشة عنها. ال القاضي: وعندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها ولعلها لم تكن بلغت حينئذ"أهـ. شرح النووي ١٥/٢٠٢.
٣ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٠/٢٤٠-٢٤١ وأورده الهيثمي في المجمع ٣/٢٢٤ وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.