410

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

السرايا التي بعثها ﷺ بعد غزوة ذي قرد لتأديب القبائل التي شاركت في غزوة الأحزاب وغيرها
وبعد عودته ﷺ إلى المدينة بدأ في إخراج سرايا منظمة إلى كل بقاع الجزيرة العربية تقريبًا؛ وذلك إلى القبائل التي شاركت في غزوة الأحزاب، وكذلك القبائل التي اشتركت في قتال المسلمين قبل ذلك، أو إلى القائل التي تستعد لغزو المدينة المنورة.
وهكذا بعث ﷺ السريا الآتية: أولًا: بعث سرية بقيادة عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه إلى غمر مرزوق، وهو تجمع لفرع من فروع بني أسد، وبنو أسد من القبائل التي اشتركت في حصار الأحزاب، وكانت هذه السرية في نفس الشهر الذي تمت فيه غزوة ذي قرد وهو ربيع الأول أو ربيع الثاني سنة (٦) هـ.
السرية الثانية كانت بقيادة محمد بن مسلمة إلى ذي القصة لقتال بني ثعلبة على بعد حوالي (٥٥) كيلو متر شمال المدينة، وهذه كانت في ربيع الثاني سنة (٦) هـ.
في نفس الشهر ربيع الثاني خرجت سرية أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه إلى نفس المكان ولنفس الهدف لقتال بني ثعلبة.
في نفس الشهر كذلك ربيع الثاني خرجت سرية أخرى بقيادة زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه إلى منطقة تعرف بالجموم، والجموم على بعد حوالي (١٠٠) كيلو متر من المدينة المنورة وخرجت لقتال بني سليم.
وبعد عودة هذه السرية بأيام في شهر جمادى الأولى خرجت سرية مهمة جدًا بقيادة زيد بن حارثة مرة ثانية أيضًا.
وسنرى أن اسم زيد بن حارثة يتكرر مرة واثنتين وثلاثًا وأكثر؛ لأن الرسول ﵊ يريد أن يدربه لأمر كبير جدًا سنعرفه عندما نأتي لغزوة مؤتة إن شاء الله.
المرة الثانية: خرج زيد بن حارثة على رأس سرية أخرى موجهة إلى منطقة تعرف بالعيص، وهذه المنطقة شمال غرب المدينة المنورة، وكان غرض هذه السرية اعتراض قافلة من قوافل قريش، فأمسك زيد بن حارثة بالقافلة بكاملها، وكانت ضربة كبيرة جدًا لقريش.
وفي الشهر الذي يليه شهر جمادى الآخرة من سنة (٦) هـ خرج زيد بن حارثة للمرة الثالثة على رأس سرية إلى منطقة تعرف بالطرف على بعد (٥٥) كيلو متر من المدينة المنورة على طريق العراق، وكانت لقتال فرع من فروع بني ثعلبة.
وفي نفس الشهر جمادى الآخرة سنة (٦) هـ خرج زيد بن حارثة للمرة الرابعة على رأس سرية في منتهى الأهمية إلى منطقة حسمى في شمال الجزيرة العربية، وهذه السرية مهمة جدًا ومحتاجة لوقفة، وسبب هذه السرية أن أحد أصحاب الرسول ﵊ وهو دحية بن خليفة الكلبي ﵁ كان في طريقه من الشام إلى المدينة المنورة فاعترض طريقه أحد زعماء قبيلة جذام، وقبيلة جذام تسكن في شمال الجزيرة العربية، فهذا الزعيم كان اسمه الهنيد بن عوص ومعه ابنه ومجموعة من رجال قبيلة جذام، وأخذوا ما مع دحية الكلبي ﵁، وسمع بذلك مجموعة من بني الضبيب، وبنو الضبيب كانوا من المسلمين فهبوا لنجدة دحية الكلبي، ونجحوا في استرداد الأشياء التي سلبها منه الهنيد بن عوص ومن معه، وحمل دحية الكلبي هذه الأشياء وعاد إلى المدينة المنورة، في عرف أناس كثيرين أن الموقف انتهى، ما دام الشيء الذي أخذ رجع فليس هناك داع للقتال، لكن عندما أخبر دحية رسول الله ﷺ بهذا الأمر قرر رسول الله ﷺ ألا يجعل هذا الموقف يمر دون وقفة، حتى وإن كان ما سلب من المسلمين رد إليهم؛ ليعلم الجميع أن هيبة الأمة الإسلامية لا ينبغي أبدًا أن تنتقص، وأن أي قبيلة أو إنسان تسول له نفسه التعدي على حرمة الأمة الإسلامية، ولو كان هذا التعدي على رجل واحد أو امرأة واحدة من المسلمين لا بد أن يحدث انتقام من قبل الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية، من أجل هذا قرر الرسول ﵊ أن يبعث جيشًا لعقاب قبيلة جذام على تعديها على أحد رعايا الدولة الإسلامية، وبخاصة الهنيد بن عوص وابنه اللذان تزعما الفرقة التي هجمت على دحية الكلبي ﵁ وأرضاه.
هذا موقف مشرف جدًا، يكتب بماء الذهب وأغلى من الذهب، لقد رأينا الرسول ﷺ قبل ذلك ينتفض لانتهاك حرمة امرأة واحدة أهينت على يد يهود بني قينقاع، فحاربهم وأجلاهم من المدينة جميعًا، وهاهو الآن ينتفض لانتهاك حرمة رجل مسلم واحد اعتدي عليه من قبيلة قوية في شمال الجزيرة العربية بعيدة جدًا عن المدينة المنورة، فلا تسل عن مدى إحساس رعايا الدولة الإسلامية بالأمان والطمأنينة لحماية القائد لها، ولا تسل عن مدى إحساسهم بالأمان وهم يعلمون ويوقنون أن دولتهم بكاملها تقف وراءهم، تحفظ كرامتهم، تدافع عن حقوقهم، ترفع رءوسهم في العالم أجمع.
وهذا الموقف يزداد قيمة عندما نعرف أن القبيلة التي اعتدت على دحية الكلبي هي قبيلة قوية جدًا، قبيلة جذام، وتقع مساكنها على بع

29 / 9