409

As-Sīrah an-Nabawiyyah

السيرة النبوية

غارة عيينة بن حصن الفزاري على بعض ممتلكات المسلمين حول المدينة وردة فعل المسلمين تجاه ذلك
بعد أسبوعين كاملين من الغياب عن المدينة المنورة، وفي أثناء عودة الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة أغار عيينة بن حصن الفزاري على بعض ممتلكات المسلمين في خارج المدينة المنورة، في منطقة تعرف بالغابة، وأخذ منها إبلًا وشياهًا للمسلمين، وقتل راعيها -وهو رجل من غفار- واحتملوا امرأته، وهرب عيينة بن حصن في اتجاه الشمال الشرقي للمدينة في ناحية منازل غطفان، ووصل الخبر إلى الرسول الله ﷺ نقل له سلمة بن الأكوع ﵁ وأرضاه، وسلمة من أعظم الرماة في الإسلام، فلما أخبر الرسول ﵊ بذلك عاد سلمة مسرعًا إلى منطقة الغابة وظل يرمي الفرقة الغازية فقتل بعضهم وأصاب بعضهم.
وأخرج الرسول ﷺ فرقة سريعة الحركة من الفرسان، وأمر عليهم سعد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه، وهذا غير سعيد بن زيد المهاجري ﵃ أجمعين، وكان في هذه الفرقة المقداد بن عمرو وعباد بن بشر وأبو قتادة وعكاشة بن محصن ﵃ أجمعين، ومجموعة من خيار فرسان الصحابة، وقال ﷺ لأميرهم سعد بن زيد: (اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس) وخرجت هذه الفرقة السريعة، والرسول ﵊ تبعها بعد ذلك بجيش من المسلمين، وأدرك هذه الفرقة عند مكان يسمى ذو قرد على بعد حوالي (٣٥) كيلو متر شمال شرق المدينة المنورة.
في هذه الغزوة قتل أبو قتادة رجلًا من المشركين، وقتل عكاشة بن محصن رجلين، واستنقذ المسلمون بعض الإبل والشياه، وفرت المرأة المسلمة امرأة أبي ذر ونجت بنفسها إلى المدينة المنورة، وهرب عيينة بن حصن ومن معه ببعض الإبل.
وطلب سلمة بن الأكوع ﵁ وأرضاه من الرسول ﵊ أن يجعل معه من الرجال ليغزو بهم قبائل غطفان في مكانها، لكن الرسول ﵊ رفض ذلك؛ لأن قبائل غطفان قبائل قوية جدًا ومنازلها بعيدة عن المدينة المنورة، ولا يريد أن يدخل معها في صراع وهو لم يعد العدة الكافية لذلك.
إذًا: الرسول ﵊ يكافح ويجاهد ويستخلص الإبل قدر المستطاع في واقعية دون تهور، فقد كان كل ذلك في حدود المدينة المنورة، وفي نفس الوقت هو لا يتهور بإرسال جيش إلى مغامرة غير مأمونة، وعلى العكس من ذلك فقد أخذ جيشه القليل ﷺ وذهب به إلى بني لحيان؛ لأن هناك اختلافًا بين بني لحيان وبين بني غطفان، فقبيلة لحيان وإن كانت قوية إلا أنها أقل بكثير جدًا من قبائل غطفان، فالرسول ﵊ يعطي لكل أمر قدره، يحسب حساباته بدقة، ويتصرف على ضوء هذه الحسابات، في توازن رائع وفقه عميق.
هذه الحملة الأخيرة التي قادها ﷺ تعرف بغزوة الغابة، وهو المكان الذي أغار عليه عيينة بن حصن، أو غزوة ذي قرد، وهو المكان الذي وصل إليه ﷺ في مطاردته للمشركين، وهذه الغزوة كانت في ربيع الأول أو ربيع الثاني سنة (٦) هـ.

29 / 8