مكث الأجنّة في الأرحام، وغيرها (١).
ومما يجدر بنا ذكره، هنا، هو أنّ الاتصال العليّ بين الأشياء ليس مطّردًا في جميع الأحوال، فهناك أحكام كلّية اعتمدت على استقراء لا يستند إلى قانون العليّة، مما أطلقوا عليه اسم الاستقراء الإحصائي، كقولهم: كلّ طائر يبيض، وكلّ طائر له صماخ، وكلّ حيوان ذي ثديٍ يلد، وكلّ حيوان ذي قرن مشقوق الظلف، فلا البيض علّة في الطيران، ولا الطيران علّة في كونه يبيض. وهكذا يقال في سائر ما ذكرناه من الأمثلة. ومع ذلك، فقد ذكر أهل العلم، الذين اتخذوا الاستقراء الناقص منهج بحث، إنّ عدم وجود العلاقة العلّية لا يمنع من تعميم الحكم على الأشياء التي توجد فيها (٢).
غير أنّه ينبغي لنا أن لا نجعل هذين النوعين من الاستقراء بمرتبة واحدة، فالحكم الكلّي المستند إلى استقراء ذي علاقة طردية مجرّدة، لا يرقى إلى الحكم الكلّي المستند إلى العلاقة العلّية. فقاعدة مثل قاعدة ((المشقّة تجلب التيسير)) و((الضرر يزال))، و((من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه))، أقوى وأمعن في تعميم الحكم من قواعد أو ضوابط من طراز ((كلّ امرأتين، لو صُوِّرَتْ إحداهما رجلاً لم يجز له أن يتزوّج بالأخرى، لا يجوز الجمع بينهما))..
ثانيًا: وأمّا ما قيل بشأن قلّة الجزئيات المستقرأة فإنّ الأمر كما قيل، ولكنّه ليس عامًا وشاملاً، فبعض القواعد استند إلى استقراء جزئيات كثيرة جدًّا، فمثلها لا يتّجه إليه هذا المحذور، ولهذا فإنّ الظنّ فيها أقوى من
(١) المصدر السابق.
(٢) ((المنطق التوجيهي)) (ص١٢٩).