المبحث الثاني
الأدلة وبيان الراجح من الآراء
إنّ النظر في مسوّغات من رفضوا الاحتجاج بالقواعد الفقهيّة، واتخاذها سندًا للاستنباط والتخريج، يبيّن لنا أنهم كانوا متحرّزين من المغامرة، ومن الوقوع في شرك التعميم في الأحكام، وبالتالي السقوط في دائرة الممنوع. وقد دفعهم إلى هذا التحرّز طائفة من الأسباب، يمكن إجمالها في الأمور الآتية:
أوّلاً: إنّ القواعد الفقهيّة أغلبيّة، وليست كلّيّة، في نظرهم، وإنّ المستثنيات فيها كثيرة، ومن المحتمل أن يكون الفرع، المراد إلحاقه بها، مما يشمله الاستثناء.
ثانيًا: إنّ كثيرًا من القواعد الفقهية استقرائية، وأن الكثير منها لم يستند إلى استقراء تطمئنّ له النفوس؛ لأنّها كانت نتيجة تتبّع فروع فقهيّة محدودة، لا تكفي إلى زرع الطمأنينة في النفس، وتكوين الظنّ الذي بمثله تثبت الأحكام. والقسم الآخر منها مخرّج بعمل اجتهادي محتمل للخطأ، فتعميم حكمها فيه نوع من المجازفة.
ثالثًا: ((إنّ القواعد الفقهية هي ثمرة للفروع المختلفة، وجامع ورابط لها، وليس من المعقول أن يجعل ما هو ثمرة وجامع دليلاً لاستنباط أحكام هذه الفروع))(١).
(١) ((الوجيز في إيضاح القواعد الكلّيّة)) (ص٣٢)، وانظر ((القواعد الفقهية)) للندوي (ص٢٩٤).