وفي تقرير واضعي مجلة الأحكام العدلية نجد عبارات متنوعة، أغلبها يَصُبُّ في هذا المجال. ففي هذا التقرير ورد قولهم: «إنّ المقالة الثانية من المقدّمة، هي عبارة عن القواعد التي جمعها ابن نجيم (ت ٩٧٠هـ)، ومن سلك مسلكه، من الفقهاء - رحمهم اللَّه تعالى - فحكّام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرّد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد»(١).
وعلّل بعض شرّاح المجلّة ما جاء في المقالة الأولى منها، من أنّ هذه القواعد يوجب تفهّمها في بادئ الأمر الاستئناس بالمسائل، ويكون وسيلة لتقرّرها في الأذهان، فقال: «أي يتنوّر بها المقلّد، ولا يتّخذها مدارًاً للفتوى والحكم، فلعلّ بعضًا من حوادث الفتوى خرجت من اطّرادها بقيد زائد، أو لأحد الأسباب المتقدّم ذكرها. وهذا يحتاج إلى نظر دقيقٍ، وتحرّ عميق، يُجري تلك القواعد في مشتملاتها الحقيقيّة، ويستثني منها ما خرج عنها بقيد، أو سبب من الأسباب المارّة»(٢). وكأنّي أرى أنّ الشارح - يرحمه الله - يرى التفريق بين المقلّد والمجتهد في ذلك. ويقصر المنع على المقلّد غير القادر على إجراء القواعد في مشتملاتها الحقيقية، والمفتقد لمعرفة القيود والمستثنيات التي لا تدخل في إطار القاعدة.
وفي المقابل نجد طائفة من العلماء تستدلّ بالقواعد الفقهيّة، وترى صلاحيتها للدليليّة، والترجيح، وأنّ ما يقال عن خروج طائفة من الجزئيات، عن حكم القاعدة، وتسميتها بالمستثنيات، غير مؤثّر فيها. وممّن بنى بعض أحكامه أو ترجيحاته عليها أبو العباس القرافي
(١) مجلة الأحكام العدلية (ص١١).
(٢) «شرح المجلة» للأتاسي (١٢/١).