Al-Minnah Al-Makkiyah Fi Sharh Al-Qasidah Al-Hamziyah
المنح المكية في شرح القصيدة الحمزية
============================================================
وما تقرر في زمن الشباب أولا : أنه محل قرب التوبة والانزجار بأدنى واعظ، وهنا : أنه محل الغفلات والهفوات. . لا تنافي بينهما؛ لأنه وإن كان محل الهفوة والزلة، للكن صاحبه يتنبه سريعا إلى زلاته، ويرجع عنها حالا، كما أن العود الرطب يستقيم اعوجاجه بأدنى عمل، بخلاف زمن الشيخوخة، فإنه زمن الإمساك عن كل هفوة وزلة، للكن صاحبه المرتكب للمعاصي إلى أن شاب يعسر عليه الرجوع والتوبة فورا؛ لأن عوده قسا وصلب، فلا يتقوم اعوجاجه إلا بعد اليأس، ويشهد لذلك الحديث : " إن قيل لك : إن جبلا تحول عن مكانه.. فصدق، وإن قيل لك : إن إنسانا تحول عن طبعه. . فلا تصدق "(1).
وتماديث اقتفسي اثر القؤم فطالث مسافة وأفتفاء (و) حينئذ بلغت هذه السن الذي تعسر فيه التوبة كما تقرر (تماديت) إلى أن طلبت أن (أقتفي) أي : أتبع (أثر القوم) الصالحين السابقين إلى المراتب العلية، والفائزين بنيل المراتب السنية (فطالت) علي (مسافة) بيني وبينهم؛ لبعد الدرجات التي فازوا بها (واقتفاء) لأعمالهم وأخلاقهم؛ لأنهم استغرقوا فيها أوقاتهم في الطاعات، وانقطعوا فيها إلى الله تعالى عن كل غفلة وتبعة فورا السائرين وهو أمامي شبل وفرة وأزض عراء (ف) بسبب طول المسافة التي بيني وبينهم (ورا) خبر مقدم (السائرين) أي: السائرين ليلأ، من السرى، وهو السير ليلأ، وعدل إليه عن ورائهم الذي هو القياس؛ ليفيد: أنهم أحيوا ليلهم بالعبادات، وامتازوا فيه بلذيذ المناجاة (وهو) أي: ذلك الوراء ( أمامي) جملة معترضة؛ للتصريح بما علم من قوله: الرأس إذا لم يجاوز شحمة الأذن، فإذا جاوزها. فهو جمة، والله أعلم 1) آخرجه أحمد (443/6) بنحوه
Bogga 578