Al-Minnah Al-Makkiyah Fi Sharh Al-Qasidah Al-Hamziyah
المنح المكية في شرح القصيدة الحمزية
============================================================
(الذين هم بعدك فينا الهداة) أي: الدالون للأمة على الله بما يجب له ويجوز اا ويسحيل عليه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك، وعلى شريعته، وعلى تهذيب النفوس وكمال الأخلاق والجهاد في الله تعالى، وغير ذلك مما يليق بكل مما ذكر، وهذا مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم : "أضحابي كالنجوم، بأئهم أقتديتم. أهتديتم" واستخلص من هذا المقام أخص أفراده بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم : " أقتدوا بأللذين من بغدي : ابي بكر وغمر" .
(والأوصياء) أي: الذين وصيتهم بالقيام بأمور الدين والمجاهدة عليها، ففتحوا الأمصار والبلاد، وساسوا الأمة، ونشروا فيها علوم الكتاب والسنة حتى خضعت لمعاليهم الرؤوس، وباد أهل الزيغ عن آخرهم، فلم يبق منهم رنيس ولا مرؤوس: وإنما حملت (الأوصياء) على ما ذكرت؛ ردا على من زعم : أنه صلى الله عليه وسلم وصى بالخلافة لأبي بكر أو لعلي، ووجه الرد : أن الذي دلت عليه صرائح السنة، ووقع عليه إجماع من يعتد به: أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص في آمر الخلافة بشيء صريح، وإلا.. لهلكت الأمة لو خالفوا ذلك النص، فاقتضت المصلحة العامة وشفقته صلى الله عليه وسلم على آمته: أن لا ينص عليها صريحا، وإنما أشار إلى أنها لأبي بكر رضي الله عنه بإشارات تقرب من التصريح ، كما بينتها في الكتاب السابق ذكره، ولعل تلك المصلحة التي ذكرناها في عدم التصريح هي التي ظهرت له صلى الله عليه وسلم لما طلب في مرض موته دواة وقرطاسا؛ ليكتب فيه ما لا يضلون معه، فكثر عنده اللغط(1)، فمن مريد للكتابة؛ ليقع التصريح وينقطع العذر، ومن مريد لعدمها كعمر رضي الله عنه، خشية من مخالفة النص المؤدية إلى هلاك المخالف، فلذا ترك صلى الله عليه وسلم الكتابة: والدليل على أنه إنما ترك لمصلحة: أنه مكث بعد ذلك المجلس أياما ولم يذكر ذلك ولا طلبه، ولو كان فيما طلبه مصلحة عائدة على أحد.. لم يترك ذكره وإن وقع أعظم مما وقع، فسكوته صلى الله عليه وسلم أوضح دليل على ما تقرر.
(1) اخرجه البخاري (114)، ومسلم (22/1637).
Bogga 477