486

Тафсир Баян ас-Саада

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ فأتبعه شهاب مبين } محقه وادركه، والشهاب شعلة نار ساطعة ويطلق عليه اسم الكواكب فيقال كوكب انقض الساعة وتتولد الشهب فى كرة الدخان كما حقق فى محله، وليست هى كواكب كما هو المشهور فى العرف وليست الشياطين تتأذى بها لكون الشهب من الماديات والشياطين من الروحانيات، بل المراد بالشهب القوى الروحانية المتضادة للشياطين الرادعة لهم عن ساحة حضور الارواح الطيبه المتصورة للبصائر المنفتحة بصور الشهب سواء كان استراق السمع من سماوات الطبع او من سماوات الارواح، وبما ذكرنا من وجه ردع الشياطين من سماوات الطبع وسماوات الارواح يمكن التفطن بما ورد فى الاخبار، من ان الشياطين كانوا يصعدون الى السماوات، فلما ولد عيسى (ع) حجبوا عن ثلاثة منها وكانوا يخرقون اربع سماوات، فلما ولد رسول الله (ص) حجبوا عن السبع، او كان الشياطين يصعدون السماء فلما ولد محمد (ص) ردعوا بالشهب وكان ليلة تولده كثيرة الشهب، وامثال ذلك كثيرة، مع ان الشياطين كانوا مطرودين من سماوات الارواح وكذا من سماوات الطبع كما سبق والوجه فى ذلك ان السماوات فى العالم الصغير قبل تولد الكلمة العيسوية كانت مجتمعة بالقوة فى السماء الدنيا وهى سماء النفس الانسانية وهى محل تصرف الشياطين، فاذا تولد الكلمة العيسوية صار بعض ما بالقوة بالفعل كسماء الصدر المنشرح بالاسلام وسماء القلب وسماء النفس الانسانية ويبقى الباقى بالقوة ويطرد الشياطين بواسطة تلك الكملة عن هذه السماوات، وبعد تولد الكلمة المحمدية (ص) الجامعة لجميع المراتب بالفعل يصير جميع ما بالقوة بالفعل فيتميز السماوات السبع ويطرو الشياطين من الكل، الا انه مترصد من جهة النفس الحيوانية لان يسترق حين الفرصة من سماء النفس الانسانية الدنيا استماع بعض الاشياء فيتبعه شهاب تذكر الانسان بنور الايمان واليه اشير بقوله:

إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون

[الأعراف:201].

[15.19]

{ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي } جبالا ثوابت وقد ذكر وجه الانتفاع ببسط الارض والقاء الجبال وان فيهما حكما ومصالح كثيرة { وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } ان رجع ضمير فيها الى الجبال فالمراد بالموزون ما يوزن ويباع بالوزن كالفلزات فانها تنبت فى الجبال، وان رجع الى الارض فالمراد الموزون المقدر لمنافعكم والمعدود لمصالحكم، وان كان راجعا اليهما جميعا فالمراد منه معنى اعم من المعنيين.

[15.20]

{ وجعلنا لكم فيها معايش } ما تعيشون به من الملابس والمطاعم والمساكن والمراكب { ومن لستم له برازقين } عطف على معايش اى وجعلنا لكم خدما واماء وعبيدا وانعاما لستم لها برازقين وكان تغليبا لجانب ذوى العقول، او عطف على المجرور فى لكم على بعد لعدم عادة حرف الجر والمعنى وجعلنا لكم معايش وجعلنا لمن لستم له برازقين معايش كالمجانين والسفهاء وغيرهم من اهل الجزائر الذين يعيشون كالبهائم والسباع ويلحقون بها.

[15.21]

بيان ان لكل شيء خزائن عند الله

{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } اعلم، انه قد يطلق الشيء ويراد به ما يساوق الموجود فيشمل الحق الاول تعالى شأنه، وقد يطلق ويراد به الشيء وجوده فلا يشمل الحق الاول ولا حضرة الاسماء ولا حضرة الفعل الذى هو مبدء اضافاته، ويشمل الممكنات كلها من حضرة العقول المعبر عنها بالاقلام العالية والملائكة المقربين، وحضرة الارواح المعبر عنها بارباب الانواع والصافات صفا، وحضرة النفوس الكلية المعبر عنها بالالواح الكلية المحفوظة والمدبرات امرا، وحضرة النفوس الجزئية المعبر عنا بألواح المحو والاثبات وبعالم المثال باعتبارين ويشمل موجودات عالم الطبع تماما، وكل ما فى تلك الحضرات له حقيقة فى حضرة الاسماء وحقيقة فى حضرة الفعل والاضافة الآلهية الاشراقية، وكل ما فى حضرة الفعل له حقيقة ايضا فى حضرة الاسماء، وكل ما فى حضرة الارواح له حقيقة فى حضرة الاقلام وحقيقة فى حضرة الفعل وحقيقة فى حضرة الاسماء، وهكذا حضرة النفوس الكلية وما فيها وحضرة النفوس الجزئية وما فيها وعالم الطبع وما فيها، وبعبارة اخرى كل دان له صورة بالاستقلال فى العالى وصورة بالاستقلال فى على العالى وصورة بتبع العالى فى عالى العالى فلكل شيء من الممكنات حقائق فى حضرة الاسماء استقلالا وتبعا وهكذا فى حضرة الفعل وهكذا فى حضرة الاقلام الى عالم المثال، وكل تلك الحضرات من حيث انها عوالم مجردة عن المادة واغشيتها تسمى عند الله ولدن الله لحضورها فى محضره، ولما كان تلك الحقائق محفوظة عن التغير والتبدل كالاشياء النفيسة المخزونة المحفوظة سماها تعالى بالخزائن، فكل ما فى عالم الملك فله حقيقة فى عالم المثال ينزله تعالى شأنه من عالم المثال الى عالم الملك بقدر استعداد المادة لقبوله وحين استعدادها، وهكذا من النفوس الكلية الى عالم المثال، وهكذا الامر فى العالى والاعلى الى حضرة الاسماء. ولما كان موجودات عالم الملك متجددة بالتجدد الذاتى بمعنى انها كل آن فانية عن ذواتها وموجودة بموجدها كما حقق فى محله فما من شيء مما فى عالم الملك الا ويفنى آنا فآنا وينزله تعالى من خزائنه آنا فآنا فلذلك قال { وما ننزله إلا بقدر معلوم } بصيغة المضارع الدال على الاستمرار التجددى.

Неизвестная страница