480

Тафсир Баян ас-Саада

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ وإذ قال إبراهيم } واذكروا وذكر قومك دعوة ابراهيم (ع) ومقالته فان فيها ترغيبا الى الخيرات وترهيبا عن الاشراك ومعرفة لبعض اوصاف الله وتعليما لطريق التضرع والمسألة منه وبيانا لشرف ذريته وفى بيان شرفهم ترغيب للخلق اليهم، وفى رغبتهم اليهم نجاة لهم فى الآخرة وشرافة فى الدنيا { رب اجعل هذا البلد آمنا } ذا امن.

اعلم، ان بلدة مكة وعمارتها كانت بسعى ابراهيم (ع) وتعميره كما ان البيت كان بسعيه وتعميره فكان البلد مظهرا لصدره المنشرح بالاسلام المطهر من الوساوس والارجاس، والبيت مظهرا لقلبه الذى هو بيت الله الحقيقى وقد اجاب تعالى شأنه دعاءه حيث جعل صدره مأمنا عن كل شر وفساد وبلده مأمنا بالمواضعة لامره التكليفى ان لا يتعرض لاحد ولا لحيوان ولا نبات كان فى الحرم { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } المصنوعة او اصنام الاهوية اوكل ما يطاع ويعبد من دون اذن الله.

[14.36]

{ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } صرن سببا لاضلالهم او اضللن بما ظهر من الشيطان على صورهن من خوارق العادات وايضا رؤساء الضلالة الذين هم الاصنام البشرية اضللن كثيرا من الناس { فمن تبعني فإنه مني } الفاء جواب شرط محذوف كأنه قال: فان أجبتنى الى مسؤلى فمن تبعنى فانه منى فأجبنى فى حقه ايضا والمقصود بالتبعية التبعية الحقيقية التى تحصل بالبيعة العامة او الخاصة ولما كان التابع يصير بتلك البيعة مرتبطا بالمتبوع بل متولدا منه من حيث لطيفته التابعة الروحية فالتابع بتلك التبعية يصير جزء من المتبوع فيصير بعضا منه ويصير متولدا منه فيصير ناشئا منه { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } فعاملهم بشأنك لا بشأنهم وقد ورد فى اخبارنا الامامية ان من أحبنا فهو منا، ومن اطاعنا فهو منا، ومن اتقى وأصلح فهو منا اهل البيت.

[14.37]

{ ربنآ إني أسكنت من ذريتي } بعض ذريتى وهو اسماعيل وقد ورد فى اخبارنا: نحن بقية تلك الذرية ونحن هم، ونحن بقية تلك العترة وكانت دعوة ابراهيم (ع) لنا خاصة { بواد غير ذي زرع } وادى مكة { عند بيتك المحرم } الذى حرم التهاون به والتعرض بمن كان فى نواحيه وما كان فيها { ربنا ليقيموا الصلاة } لما كان المقيم فى بلد الصدر المنشرح بالاسلام والطائف حول بيت القلب مقيما للصلاة متوجها الى الله وكان بلد مكة وبيت الكعبة مظهرين لهما كان من كان مقيما فيهما وكان فيه لطيفة آلهية يتوجه الى الله توجها اقوى واتم، ولذلك جعل الغاية اقامة الصلاة { فاجعل أفئدة من الناس } اى من بعضهم، وفى اخبارنا انه لم يعن الناس كلهم اولئك انتم ونظراؤكم؛ بالخطاب لشيعتهم، وورد انه: ينبغى للناس ان يحجوا هذا البيت ويعظموه لتعظيم الله اياه وان يلقونا حيث كنا، نحن الادلاء على الله { تهوي إليهم } قرئ بكسر الواو وفتحها من هوى اذا سقط، وهوى اذا احب، وعلى اى تقدير فهو يدل على كمال المحبة والاشتياق، وورد فى اخبارنا: ان دعوة ابراهيم (ع) كانت فى حقنا حيث لم يقل تهوى اليه حتى يرجع الى البيت بل قال اليهم حال كون الضمير راجعا الى الذرية، وفى هذه الدعوة طلب للتوسعة على الذرية وطلب للنجاة والفلاح للخلق { وارزقهم من الثمرات } ثمرات الاشجار الطبيعية وثمرات الاشجار الروحية وهى الوداد والانقياد والذوق والمعرفة والوصال والاتحاد وغير ذلك مما يظهر فى المعاد { لعلهم يشكرون } وبعد اتمام ما اراد من الدعاء انتقل من مقام التضرع الى مقام الثناء مثنيا بما يعين على اجابة دعوته فقال { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن }.

[14.38]

{ ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } فانت العالم بحاجاتنا ومصالحنا سألنا او لم نسأل { وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السمآء } تعميم بعد تخصيص والتفات من الخطاب الى الغيبة اشارة الى تنزله عن مقام الحضور ثم انتقل عن مقام الثناء الى مقام الالتفات الى النعمة والقيام بشكرها فقال { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر }.

[14.39]

{ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } مشتملا على كبر السن واليأس عن الولد قيد الثناء به اظهارا لعظمة النعمة دلالة على كمال القدرة { إسماعيل وإسحاق } قيل ولد اسماعيل (ع) حال كونه ابن تسع وتسعين، وولد اسحاق (ع) حال كونه ابن مائة واثنتى عشر سنة { إن ربي لسميع الدعآء } ذكر ذلك اظهارا لنعمة أخرى هى اجابته له فى دعاء الولد، ورجاء لاجابة دعائه الماضى وتمهيدا لاجابة دعائه الآتى.

Неизвестная страница