454

Тафсир Баян ас-Саада

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[12.37]

{ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه } وكان وقت اتيان الطعام لاهل السجن { إلا نبأتكما بتأويله } لما كان المستثنى مفرغا وحالا مما قبله والحال تقتضى الاقتران بالعامل زمانا وكان مقصوده انه يعبره قبل الاتيان قيده بقوله { قبل أن يأتيكما } وأخر التعبير لترغيبهم فى التوحيد وتنفيرهم عن الاشراك بعد ما رأى وثوقهما به وظن تأثرهما بوعظه كما هو شأن كل ناصح اذا رأى التأثر بنصحه ولم يكن التأخير لتأمله فى التعبير والا لم يسجل الاخبار به { ذلكما } العلم بتعبير الرؤيا { مما علمني ربي } لا مما تعلمته بنفسى من بشر مثلى كعلوم القافة والمشعبذة وغير ذلك ولا مما تعلمته من الشياطين والجن كعلوم الكهنة والسحرة بل علمنى ربى بالوحى والالهام من غير كسب منى علوما كثيرة هذا احدها ثم علل تعليم الرب بترك ملتهم واتباع ملة الانبياء (ع) تنفيرا وترغيبا لهما بقوله { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون } عرض بهما وورى عن ملتهما وكفرهما ليكون اشد تأثيرا واقرب قبولا واوقع فى نفوسهما.

[12.38]

{ واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } اضاف الملة الى آبائه اشارة الى علو نسبته بانتسابه الى من كان ذا ملة وصاحب شريعة وصرح باسمائهم لكونهم مشهورين بعلو الشأن وشرافة الرتبة ومقبولين عند الكل خصوصا ابراهيم (ع) لذلك، وبعد ما عرفهم نسبه وانه (ع) من اهل بيت النبوة والشرف اثبت لهم مذهبه وانه التوحيد وعرض بذم مذهبهما وانه خلاف مذهب الانبياء (ع) والاشراف فقال { ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء } شيئا يسيرا من اصناف الاشراك كالاشراك فى الوجوب كاشراك اكثر الثنوية القائلة بان للعالم مبدئين قديمين واجبين النور والظلمة او يزدان واهريمن، وكاشراك الزنادقة من الدهرية والطبيعية القائلة بان الدهر او الطبع واجب ومبدء فان هذا القول اشراك بحسب نفس الامر، وكالاشراك فى الآلهة كاشراك بعض الثنوية القائلة بوحدة الواجب تعالى وآلهته المبدئين، وكاشراك الصابئة القائلة بآلهة الكواكب وتربيتها لعالم العناصر ومخلوقيتها للحق الاول تعالى على كثرة مذاهبهم، وكاشراك اكثر من قال بسلطنة الملائكة او الجنة على اختلاف طرقهم، وكالاشراك فى العبادة كاشراك الوثنية وعابدى العناصر ومواليدها من الاحجار والاشجار والحيوان، وكالاشراك فى الطاعة كاشراك من اطاع السلاطين والحكام والاغنياء والشياطين والاهواء ومنتحلى العلم والامامة والفتيا من غير اذن واجازة من الله ولا ممن اجازه الله كالرهبان والاحبار مترأسى الملة والطريق من كل ملة وطريق، وكالاشراك فى النبوة كاشراك من بايع من ليس نبيا ولا خليفة له بيعة عامة نبوية، وكالاشراك فى الولاية كاشراك من بايع من ليس بولى بيعة خاصة ولوية، ولما كان هذا الاشراك مستلزما لما سبق من انواع الاشراك وبتوحيد الولاية يحصل جملة انواع التوحيد كما لا يخفى على العارف بالولاية، وانها لا تحصل الا بما قرر من الائمة (ع) فسر الاشراك فى اكثر الآيات بالاشراك فى الولاية فى اخبارنا المعصومية، وكالاشراك فى الوجود قالا او حالا او شهودا وقلما ينفك الانسان عن هذا الاشراك والى هذا الاشراك اشار تعالى بقوله: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فاشار (ع) بقوله من شيء الى نفى جملة انواع الاشراك سواء جعل من شيء مفعولا مطلقا كما مضى او مفعولا به وهو تعريض بهما وبقومهما لانهم اشركوا اكثر انواع الاشراك، ولما لم يمكن الخروج من جملة انواع الشرك الا بالفناء التام الذى هو الفناء عن الفناء وكان هذ الفناء بحيث ان كان بعده بقاء لم يكن البقاء الا بالنبوة والرسالة والخلافة وكان الكل من شعب فضله تعالى، كما ان الولاية التى هى اصل تلك رحمته وكان النبوة وتاليتاها كما انها فضل على الموصوف فضلا على من كان الموصوف فيهم ومبعوثا عليهم قال { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } لانهم لا يعرفون قدر النبوة ولا يقومون بواجب حقها بل يعرضون عنها ويجحدونها.

[12.39]

{ يصاحبي السجن } الاضافة لأدنى ملابسة سواء كان المراد صحابة يوسف (ع) فى السجن او صحابة نفس السجن { أأرباب } متكثرون والتعبير بالارباب تعبير بما اعتقدوه ليكون ادخل فى النصف { متفرقون } غير قاهرين بعضهم لبعض وجمع العقلاء ايضا لموافقة اعتقادهم { خير } افعل التفضيل للمداراة والنصف ايضا { أم الله } لم يصرح بربوبيته لتسليم الخصم او ادعاء تسليمه وانه مما لا ينكر { الواحد } مقابل المتكثرين { القهار } مقابل المتفرقين.

[12.40]

{ ما تعبدون من دونه إلا أسمآء } قد مضى ان ما سوى الله من الملئكة باصنافهم والطبائع ومواليدها والاناسى وصنائعهم كلها اسماء لله تعالى وان الاسم لا حكم له ولا نظر اليه وان النظر الى الاسم والحكم عليه لا يتصور الا اذا جعل مسمى وثانيا للمسمى وانه شرك بالله، وان الناقصين لما لم يمكن خروجهم من حد الاشراك فى الوجود اذن الله لبعض الاسماء ان يجعلوها مسمين منظورا اليهم كالانبياء واوصيائهم (ع) وانزل الله لهم سلطانا على جواز جعلهم مسمين من دلائل صدق دعويهم ولذا قال: ما تعبدون من دونه الا اسماء لا مسمين { سميتموهآ أنتم وآبآؤكم } على مقتضى بشريتكم الناقصة وقد مضى فى سورة الاعراف فى نظير الآية وفى سورة البقرة فى بيان قوله تعالى:

وعلم آدم الأسمآء

[البقرة: 31] وفى بيان بسم الله الرحمن الرحيم من سورة الفاتحة تحقيق تام للاسم وكيفية اسميته ومسمويته { مآ أنزل الله بها من سلطان } لفظة الباء تحتمل السبية والمصاحبة والظرفية، والمراد بالسلطان اما الحجة من المعجزات الدالة على جواز طاعتها وعبادتها او السلطنة والتصرف فى الاشياء وكلتاهما كانتا للانبياء واوصيائهم (ع) فانهم وان كانوا اسماء لكن انزل الله معهم حجة دالة على جعلهم مسمين ومنظورا اليهم وانزل معهم سلطنة وتصرفا مصححة لطاعتهم وربوبيتهم كما لا يخفى { إن الحكم } فى العالم او فى حق العباد { إلا لله } فلا حكم ولا سلطنة فى شيء لاربابكم { أمر ألا تعبدوا } ان مصدرية او تفسيرية والفعل نهى او نفى { إلا إياه ذلك } التوحيد من توحيد الله فى الوجود المستفاد من حصر المعبودات من دونه مع انها اشرف الموجودات فى نظرهم فى الاسمية والاسم لا استقلال له فى الوجود كالمعنى الحرفى الغير المستقل فى لحاظ الذهن وتوحيده فى الآلهة والسلطنة المستفاد من قوله ان الحكم الا لله وتوحيده فى استحقاق العبادة المستفاد من قوله امر ان لا تبعدوا الا اياه، وقد ذكر التوحيدات الثلاثة مترتبة بحسب ترتبها فى نفس الامر فان توحيد الوجود يستعقب توحيد الآلهة وهو يستعقب توحيد العبادة { الدين القيم } الذى لا عوج فيه وكل ما كان غيره فهو معوج لا ينبغى ان يتبع فانه مفهوم الحصر المستفاد من تعريف المسند { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } استدراك لما يتوهم من انه لا وجه للاشراك بعد الوضوح التوحيد وبطلان الشرك هذا الوضوح فما بال المشركين يشركون؟! ولعله كان لهم دليل وحجة فاستدرك وقال: لا حجة لهم ولكنهم ليس لهم علم وانهم ساقطون فى دار الجهل كالبهائم التى لا تستشعر بالبرهان وان كان اوضح ما يكون، والتقييد بالاكثر لان بعضهم يتفطنون بالحجة ويتبعونها ويختارون التوحيد وبعضهم يتفطنون بها ويختارون الدنيا ويعاندون الحق عن علم، ولقد اجاد (ع) فى الدعوة بالموعظة الحسنة اولا والحكمة اليقينية البرهانية ثانيا، فانه لما رأى وثوقهما به واقرارهما بحسن سريرته وعلمهما بكونه عالما بتعبير الرؤيا ادعى ذلك العلم اولا بقوله { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } وثانيا بقوله ذلكما مما علمنى ربى واسند ذلك الى تعليم الله رفعا لوصم الكهانة والتعلم من البشر والجنة والشياطين، ثم علل ذلك العلم الذى رأى اقرارهما به بترك ملتهما تنفيرا لهما عنها ثم ورى عنهما بذكر قوم منكر موصوف بعدم الايمان بالله تعريضا بها ليكون ابعد عن الشغب واقرب الى القبول وباتباع ملة المعروفين بالصلاح والسداد مع انتسابه الصورى اليهم وبنفى الاشراك عنهم تعريضا بها وبتسميته ذلك فضلا من الله عليه وعلى الناس، وصرح بعدم معرفة الناس لقدر تلك النعمة وعدم شكرهم لها تعريضا بهما، ثم لما رأى تأثرهما بوعظه أعرض عن الخطابة وأقبل على الحكمة والبرهان بقوله ءارباب متفرقون ووصف الارباب بالكثرة والتفرق الدال على عدم انقياد بعضهم لبعض الذى هو سبب النزاع والفساد الواضح اشارة الى علة انكار ربوبيتهم ثم وصف الله بالوحدة اشارة الى جواز ربوبيته ثم بالقهر اشارة الى وجوب طاعته فأبطل ربوبية الاصنام وأثبت لزوم طاعة الله بالبرهان ثم اقبل على تزييف معبوداتهم وعدم استقلالها فى الوجود فضلا عن الربوبية واستحقاق العباد وعلى التصريح بتوحيد الله فى الآلهة والسلطنة وتوحيده فى العبادة بعد التلويح فى الوجود، قيل: آمن بالله تعالى بدعوته المذكورة الصاحبان السائلان منه تأويل رؤياهما وجمع آخر من المسجونين والسجانين.

Неизвестная страница