429

Тафсир Баян ас-Саада

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[11.85]

{ ويقوم أوفوا المكيال والميزان } تصريح بمفهوم النهى تأكيدا ورفعا لتوهم ان يريد بالنهى عن النقص الامر باعطاء الزيادة فان مفهوم مخالفته اعم من الايفاء واعطاء الزيادة ولذا قيد الايفاء بقوله { بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } تعميم لمطلق الاشياء مكيلة كانت او موزونة او غيرها وتأكيد آخر فانهم لما كانوا مصرين على التطفيف كان التأكيد فى النهى عنه والامر بالايفاء مطلوبا { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } حال تأكيدى وتعميم آخر ونهى عن مطلق الافساد. اعلم، ان الآية كما تجرى فى الاعراض الدنيوية تجرى فى الاوصاف النفسانية من حسن المعاشرة وترك سوء الخلق مع المعاشرين والانصاف معهم وترك طلب الانصاف منهم وحسن الظن بهم واتهام نفسه فيهم وستر العيوب منهم ورؤية العيوب من نفسه والاعتذار لهم والملامة لنفسه، وكما تجرى فى العالم الكبير تجرى فى العالم الصغير والمعاملة مع اهل مملكته، وكما تجرى فى المعاملة بين الشخص وسائر الخلق تجرى فى المعاملة بينه وبين الله، فلا تغفل عن تعميم الآية، بل ينبغى للناظر المتدبر فى الآيات الآلهية ان ينظر ويتدبر اولا فى مصداق كل آية فى وجوده ومملكته ثم ينظر فى مصاديقه الخارجية ولا يخصص الآية بمن نزلت فيه، مثلا اذا تلا آية فيها ذكر فرعون وموسى (ع) فلينظر اولا الى وجوده وفرعون مملكته الداعى للآلهة والاستقلال والاستبداد، وموسى وجوده الداعى لاهل مملكته وفرعونهم الى الاقرار بالله والانقياد له، ثم لينظر الى حال موسى (ع) وفرعون ومالهما وما عليهما ليعتبر بذلك ويعين به موسى وجوده على دعوته، ثم لينظر الى موسى زمانه وفرعونه ليعتبر بهما ويقيس حالهما الى من مضى وينزجر عن فرعونه ويطلب موساه ليعين ايضا بذلك موسى وجوده ويفر من فرعونه.

[11.86]

{ بقية الله خير لكم } يعنى ما يبقى لكم من مكاسبكم من دون ارتكاب البخس والتطفيف والاضافة الى الله للاشارة الى ان المعطى هو الله وان المكاسب وسائل اعطاء الله سترا على اعطائه لئلا ينصرفوا عن المكاسب، او بقية الله من الفطرة الآلهية واللطفية السيارة الانسانية والعقل وجنوده بعد احاطة النفس وشهواتها والشيطان واغوائه والجهل وجنوده بمملكتكم خير لكم من قضاء الشهوات والآمال التى زينها الشيطان، او بقية الله من خلفائه فى ارضه الداعين لكم اليه خير لكم من رؤسائكم فى ضلالتكم وكان هذا القول منه تلويحا الى نفسه { إن كنتم مؤمنين } تقييد بالايمان فان بقية الله لغير المؤمن من نقمة وعذاب او شرط تهييجى لانهم كانوا مدعين انهم مؤمنون بالله واصنامهم شفعاؤهم عند الله { ومآ أنا عليكم بحفيظ } ضمنه مثل معنى الوكالة والمراقبة فعداه بعلى اى ما انا وكيل عليكم بحفظكم من الشيطان ومن شرور انفسكم.

[11.87]

{ قالوا } فى جوابه عن دعوته الى التوحيد وترك الفساد فى الاعمال { يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } استهزأوا به بتحقير صلواته من حيث انها كانت غريبة فى انظارهم شبيهة بافعال المجانين لانهم ما رأوا مثلها من امثالهم وبتعظيم عبادة اصنامهم متوسلا فى ذلك بانها كانت فعل آبائهم وانهم اعتادوها واخذوها من اسلافهم { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } بالتطفيف { إنك لأنت الحليم الرشيد } من قبيل استعمال الضد فى الضد تهكما واستهزاء اى انك ذو طيش سفيه او تهييج له على ارتداعه عن دعواه وموافقته لهم يعنى انك كنت رجلا حليما لا يرجى منك ما يظهر من امثال الصبيان، رشيدا لا ينبغى ان يصدر منك افعال السفهاء والمجانين.

[11.88]

{ قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } قد مضى بيان البينة { ورزقني منه رزقا حسنا } اشارة الى موائد الولاية فانها الرزق الحسن، والجزاء محذوف اى انصرف عن دعواى؟ واخف غير مولاى؟! { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه } يعنى ليس مطمح نظرى دنياكم حتى تكذبونى بمنزلة ما أسألكم عليه مالا { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } لما نسب الارادة الى نفسه تبرى عن استقلاله فقال { وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } يعنى لا انظر فى فعلى ودعوتى الى نفسى وحولى وقوتى ولا فى غاية فعلى اى غير ربى فالآية اشارة الى التبرى من حوله ومن النظر الى غاية سوى مولاه.

[11.89]

{ ويقوم لا يجرمنكم شقاقي } لا يكسبنكم كسبا سيئا { أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } يعنى ان كان زمان الامم السالفة بعيدا منكم ولستم تعتبرون منهم لعدم مشاهدة آثار هلاكهم بعصيانهم فقوم لوط غير بعيد منكم تشاهدون آثارهم وتتسامعون اخبارهم فاعتبروا بهم واجتنبوا عن مثل افعالهم فى مخالفة نبيهم وهو تهديد لهم بهلاك الامم الماضية بمخالفتهم رسولهم.

Неизвестная страница