Кашиф Амин
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
ووجه آخر: يمكن أن يكون هو السر والحكمة في العدول إلى صيغة الجمع، وهو أن الله تعالى علم أنه لا بد أن تقع المخالفة على أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنه سيعضد المخالف الجم الغفير من الأعراب المنافقين ومن أهل المدينة الذين مردوا على النفاق كما قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة{ الآية{التوبة:101]، وأن أمير المؤمنين ومن لا يريد مخالفته سيكونون نزرا يسيرا بالنسبة إلى أولئك الجم الغفير من المنافقين ومن المسلمين الذين لم ينافقوا، لكن سيعضدون المخالف لشبهة تطرأ عليهم أو لغرض دنيوي كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر: أشدد له الأمر اليوم ليرده إليك غدا. اقتضت الحكمة شيئا يسيرا من الإيهام لئلا يكون ما لدى أولئك النزر اليسير قاطعا على تكفير المخالف ومن أعانه من المسلمين، فيتفاقم الخطب وتعظم الفتنة بين المسلمين حيث يكفر بعضهم بعضا مع كونهم الجميع تجمعهم صلاة وحج ونبي وكتاب واحد، ويتفرق جمعهم عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتنشق العصا بينهم حتى يتناولهم العدو من الملل الكفرية قبل أن يتقووا ويتسع نطاق الإسلام بما فتح من الأقطار أيام الثلاثة فتنطفىء الشريعة المحمدية وتجهل الأحكام الشرعية حيث يشتغل العلماء من الصحابة رضي الله عنهم عن النظر فيها واستنباطها بالقتال بينهم عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام بقتال الثلاثة مع علمه صلى الله عليه وآله وسلم بما سيكون منهم من المخالفة حتى تقوت عرى الإسلام وتقررت مسائل الشريعة والأحكام وضبطها أولئك العلماء الأعلام في الدفاتر، وهلك الجم الغفير من أهل النفاق ومضى الثلاثة لسبيلهم، واجتمع المسلمون إلى الإمام فبايعوه طوعا واختيارا وكانوا بحيث لا تنالهم يد العدو من الملل الكفرية إن اختلفوا فيما بينهم فكان حينئذ ليس في القتال بينهم والاختلاف من المفسدة مثل ما يكون منها في القتال عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك أمره صلى الله عليه وآله وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
فهذان الوجهان كلاهما حكمة باهرة وسر عظيم في العدول إلى صيغة الجمع ولهذا ذهب كثير من أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم الأعلام إلى أن النص على أمير المؤمنين خفي إذ لا مصلحة في وروده جليا لكنه عند النظر فيه يعلم المراد منه وهو إثبات الإمامة قطعا، لذلك أجمعوا أن إمامته عليه السلام قطعية.
فأما قول كثير من الأصحاب رحمهم الله تعالى عند التكلم على صيغة الجمع واقتصارهم على قولهم: وورود اللفظ بصيغة الجمع جائز من دون بيان الوجه الذي لأجله جاز استعمال صيغة الجمع للمفرد.
فغير سديد ولا مقنع للخصم ولا مفيد للمسترشد إلا على جهة التقليد، مع أن ذلك لا يجوز في اللغة إلا لنكتة من تعظيم المتكلم نفسه أو المخاطب المفرد بتنزيل النفس أو المخاطب بمنزلة الجمع أو يستحيل الحكم اللازم لفعل فاعله المفرد على من شاركه بالرضا كما أسند قتل عاقر الناقة إلى ثمود مع أن قاتلها ليس إلا وحدا منهم، فأما من دون نكتة مسوغة فلا يصح، إذ في ذلك نقض قواعد العربية التي ينبني عليها استنباط الأحكام الشرعية، والله أعلم.
Страница 209